الرئيسية / مقالات
مقالات

ليس كل من يحرس الوطن يعود إلى بيته

ليس كل من يحرس الوطن يعود إلى بيته

بقلم: إيمان هناندة

لم يكن شارع المدينة المنورة، قبل الحادثة، أكثر من طريق يعبره الناس في تفاصيل يومهم المعتادة؛ ذهاب إلى العمل، وعودة إلى المنزل، ومواعيد لا تنتظر أحداً. لكن استشهاد العريف جواد السلايطة أعاد طرح سؤال يتجاوز تفاصيل الحادثة: من يحرس تلك الحياة العادية التي اعتدنا أن نعيشها مطمئنين؟

قد تبدو الطمأنينة أمراً بسيطاً، لكنها في حقيقتها نتيجة جهود لا يراها معظم الناس. فخلف كل شارع آمن، ومؤسسة تعمل، وعائلة تعود إلى منزلها دون خوف، يقف رجال يؤدون واجباتهم في ظروف لا يعرف الناس تفاصيلها كلها.

استشهاد جواد ليس مجرد خبر أمني يُقرأ ثم ينتقل القارئ إلى الخبر التالي، بل تذكير قاسٍ بأن الأمن ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية يومية لها كلفة، وقد يدفعها أناس بأرواحهم وهم يؤدون واجبهم.

ثمة مفارقة موجعة في هذه الحكاية؛ أن يعود الناس إلى منازلهم في نهاية يومهم، ويواصلوا خططهم وأعمالهم، بينما لا يعود أحدهم إلى منزله لأنه كان يؤدي واجبه ليبقى الآخرون مطمئنين. وهنا لا تكمن الحكاية في لحظة الاستشهاد وحدها، بل في الحياة التي تستمر خلفها، وفي سؤال يجب ألا نتهرب منه: ماذا نفعل نحن مقابل كل هذه التضحيات؟

إن مواجهة التطرف لا تبدأ عند وقوع الاعتداء، ولا تنتهي بإدانته؛ بل تبدأ من رفض تبرير العنف، ومن بناء وعي يحمي المجتمع من الأفكار التي تستبيح حياة الآخرين، ومن إدراك أن الاختلاف لا يمنح أحداً حق الاعتداء على إنسان.

وليس الوفاء للشهيد أن نكتب عنه يوماً ثم نعود إلى حياتنا وكأن شيئاً لم يكن، بل أن نحول الحزن إلى وعي، وأن ندرك أن الحفاظ على أمن الوطن مسؤولية مجتمع بأكمله.

جواد السلايطة لم يكن رقماً في خبر عابر، بل إنساناً خرج لأداء واجبه ولم يعد. وستبقى قيمة التضحية التي قدمها مرتبطة بسؤال أكبر من الحادثة نفسها: كيف نحافظ على وطن يستطيع فيه الناس أن يعيشوا حياتهم العادية بأمان؟

فأعظم ما يمكن أن يبقى من هذه الفاجعة، ألا نعتاد أخبار التضحية، وألا ننسى أن وراء كل طمأنينة حكاية إنسان يحرسها.


 

مقالات ذات صلة