حين تصبح التجارب المعاشة بوصلة التغيير!
د. نهى ريمون - جامعة الشرق الأوسط
يرفع شعار اليوم العالمي للصحة النفسية هذا العام (الاستماع إلى التجارب المعاشة .. أصوات حقيقية... تغيير حقيقي) نداءً يلامس جوهر حالاتنا النفسية في الحقيقة. فالصحة النفسية التي لا تُقاس بالأرقام الجافة في السجلات الطبية، تبدو جلية في نبض يعيش الألمبصمت، ولكن بوعي بسيط هو قادر أن يحوله إلى إلهام يُحدث الفارقفي حياته وحياة الآخر!
في غمرة انشغالاتنا اليومية، تعلمنا أن نكبت مشاعرنا، ونرتدي القوة ليرى الجميع أن (أمورنا تمام!) ... حاول عزيزي القارئ أن تقف أمام ما يتبادر إلى ذهنك في هذه اللحظات بالذات وأنت تقرأ هذا النص. إن لم يخب ظني، هو ذات الأمر الذي تعلمت أن تبتلعه مع قهوتك الصباحية، لأنك سمعت نصيحة غير دقيقة تقول (تجاهل ما يؤذيك)! المشكلة تكمن في أن ما نتجاهله لا يموت، الأمر ليس بهذه البساطة! هو فقط ينمو في الظل في ما نسميه (عقلنا الباطن) كما هي كرة الثلج. وإن جاز التعبير، فإن هذه الكرة التي تحمل طاقتنا المكبوتة كلما تدحرجت صارت أكبر وتحولت إلى ردود فعل انفعالية يستيقظ معها الجميع فجأة (ليحاكموها)! يا لهذه المفارقة القاسية: لا أحد يلاحظ ً صمتنا، ولا تقطع نومنا، ولا الغصة التي نبتلعها لنحافظ على رزقنا ، ولكن تستوقفهم ردود أفعالنا!
ولأن أطفالنا وشبابنا اليوم ليسوا بمنأى عن هذه الصورة، حين ننظر في عيونهم وحتى عبر شاشاتهم الرقمية نرى جيلاً يحمل ضغوطات متراكمة تسقط في كثير من الأحيان أمام (مصائد) نتبناها للأسف في حديثنا معهم. بدءاً من (في جيلنا عشنا أصعب من هيك) وحتى (بكره بس تكبر بتفهم). فيغلق باب الحديث ويتفجر الوجع في انتكاسات نفسية تتماشى مع النسب العالمية التي تصرّح بأن 50% من المشكلات النفسية تبدأ على عمر ال 14 عاما، وتكتمل 75% منها قبل عمر ال 24 في تشخيص (قد) يخبو بالعلاج لأنه أخذ وقته (وكثّر) بالتكون!
لهذه كلها نحتاج إلى ترسيخ مفهومين في حياتنا: المرونة النفسية والتعاطف الذاتي. المرونة النفسية لا تعني أن نتصنع أمام الأزمات أو أمام ضعفاتنا، بل أن نواجهها بحكمة وجرأة إن أردتم. مدركين أنه لا تقع كل الأشياء ضمن خانة صلاحياتنا، ولكن الحفاظ على فكرنا وجسدنا الذي يعد (هيكل الله المقدس) هو أكبر صلاحية نلناها بشرف. وهنا نحتاج وبشدة إلى التعاطف الذاتي لنستوعب حقيقة أننا لسنا كاملين ولكن هذا لا يعيبنا فكلنا كذلك، ولكنه يمنحنا المنفذ لكيلا نتبنى دور البطولة في كل مرة. (عادي جداً) أن نحزن و(عادي جداً) أن تتعثر خياراتنا و(عادي جداً) أن ننهار مرة أو مرات! فالأخطاء والعثراتوالانهيارات هي محطات طبيعية في رحلة النمو والتعافي، ولكن منغير العادي أبداً هو أن نقبل ألا نقف من جديد وألا نحاول في سبيل ذلك!
وفي بعد آخر، ومن واقع الممارسة الصحية، يتضح أن الألم لا يحترم أي حدود فاصلة بين ما هو جسدي وما هو نفسي. على سبيل المثال آلام القولون وعطبه المزمن، وتشنجات الرقبة الأبدية والصداع الذي يعرف أن يأتي ولا يعرف أن يغيب، والإرهاق الجسدي بسبب وبلا سبب. هذه كلها مجتمعة أو متفرقة ليست إلا ترجمة حرفية لضغوط محبوسة لم تجد لها مساراً صحيا للعبور! هذا الألم لا يكفيه أن يوجد فحسب بل يمتد أثره ليعطل النوم، ويثقل الحركة، ويضيق دائرة العلاقات، ويفقد الشخص لذة حاضره. لذا، فإن تعابير الجسد والنفس لا تُقرآن إلا معاً وإغفال أحدهما يعني معاناة الكل! ولكن من يحسن فهم هذه اللغة المشتركة؟
وهنا يأتي العلم ليساهم في التغيير الحقيقي، فالمرجعيات العلمية المتقدمة توصي في العلاج بالاعتماد على النموذج البيولوجي النفسي والاجتماعي المتكامل، وللتوضيح للقارئ فإن المعالج الذي يستخدم هذا النموذج لن يسأل وحسب (أين الألم) ويقدم المسكن المؤقت، ولكنه سيغوص في فهم (كيف يغير هذا الألم في يومك، ونومك، وعلاقاتك ونظرتك لنفسك). هذا التوجه يساعد في تفكيك أسباب الألم لفهم أثر التجربة المعاشة على جودة حياة الفرد ،وليخلق فرصة إعادة تشكيل (الإنسان) ككل!
للصراحة، إن الوعي الحقيقي لا يمكن أن يظل مبعثرا في مقالة هنا وهناك وفكرة على منصة دون غيرها، أو من خلال مبادرات موسمية تحتفي بالعاشر من تشرين الأول. فالأصوات الحقيقية والتجارب المعاشة تحتاج إلى بيئة ترعاها ومنصة تُسمع من خلالها، لتصنع فارقاً تشريعيا ومجتمعيا في آن واحد. وهنا يتجدد المطلب بإنشاء وعاء مؤسسي يحتضن ويوجه كل ما يدعم الصحة النفسية، مرجعية تحترم ثقل التجارب المعاشة وتبني عليها سياسات الدعم والتدخل المبكر، مظلة وطنية تقود جهداً تشاركياً منظماً لمحو أمية الصحة النفسية وكسر الوصمة المجتمعية، ليكون الإنسان (المعافى نفسياً ) هو أساس التنمية والاستقرار.
وإلى أن نحتفل فعلا باليوم الذي يتشكل فيه هذا المطمح، رسالتي إليكم جميعاً: لنترفق بأنفسنا، ولنجرب أن ننصت لمن حولنا بصدق، حتى لا يتحول الوجع الصامت إلى صرخة لا يمكن أن نتداركها. دمتم بخير ورحمة وسلام!.
