الرئيسية / مقالات
مقالات

الكرة المُغلَّفة… حين يبقى شكل الوطن ويضعف نسيجه! م. سفيان الخالدي

الكرة المُغلَّفة… حين يبقى شكل الوطن ويضعف نسيجه!  م. سفيان الخالدي

 

تخيّلوا معي وطناً على هيئة كرة، لا تقوم قوتها على صلابة غلافها الخارجي، بل على ملايين الخيوط المتشابكة في داخلها.

خيوط تربط الفرد بأسرته، والأسرة بمجتمعها، والشاب بخبرة من سبقه، والمواطن بمؤسساته، والمسؤول بمن ائتُمن على خدمتهم. وتتقاطع بينها خيوط الثقافة والاقتصاد والتعليم والسياسة والقيم والأخلاق، لتشكّل نسيجاً وطنياً متماسكاً، لا يستمد قوته من جزء واحد، بل من ترابط أجزائه جميعاً.

هكذا يُفترض أن يكون الوطن… كرة ممتلئة بالنسيج، لا مجرد غلاف يحافظ على الشكل.

لكن ماذا لو بقي الغلاف جميلاً ومتماسكاً في أعين الناظرين، بينما أخذت الخيوط الداخلية تتآكل وتنقطع؟

ماذا لو أصبحت العلاقة بين المواطن والمسؤول علاقة تصريحات لا ثقة، وبين الشباب والمؤسسات علاقة انتظار لا مشاركة، وبين الكفاءة والفرصة مسافة لا تختصرها إلا الواسطة، وبين الإنجاز المعلن والأثر الملموس فجوة تتسع كل يوم؟

عندها لا نكون أمام كرة صلبة… بل أمام كرة مُغلَّفة، شبه مُفرَّغة!

وهنا تكمن المفارقة.

فالغلاف يمنحنا صورة الوحدة والتماسك، وقد يخفي ما وراءه من اختلالات. نرى المؤسسات والمناصب والمبادرات والمؤشرات والاحتفالات، فنطمئن إلى شكل الكرة، وننسى أن نسأل عن كثافة نسيجها الداخلي!

كم خيطاً يربط المواطن فعلاً بصناعة مستقبله؟

كم شاباً وجد طريقاً لكفاءته، لا طريقاً إلى الانتظار؟

كم مسؤولاً يدرك أن منصبه ليس امتيازاً فوق النسيج، بل عقدة مسؤولية تربطه بكل خيط فيه؟

وكم إنجازاً أضاف قوة حقيقية إلى الداخل، بدلاً من طبقة جديدة من الطلاء على الغلاف؟

فالمشكلة ليست دائماً في غياب الموارد… بل في غياب الروابط التي تحوّل الموارد إلى قوة.

والأردن ليس فقيراً بعقوله، ولا بشبابه، ولا بخبرات أبنائه، ولا بتاريخه وحضارته. لكنه، كغيره من الأوطان، لا يستطيع أن يعيش على رصيد التاريخ وحده، ولا أن يستبدل بناء المستقبل بالحديث عن أمجاد الماضي.

ما قيمة الخبرة إن لم تنقل المعرفة؟ وما قيمة الشباب إن لم يُمنحوا فرصة حمل الراية؟ وما قيمة المؤسسة إن فقد المواطن ثقته بقدرتها على خدمته؟ وما قيمة المسؤولية إن انفصلت عن المساءلة؟

الوطن لا يضعف فقط عندما تنقص موارده؛ بل عندما تنقطع الخيوط بين موارده وأبنائه ومؤسساته.

والأخطر أن الكرة شبه المفرغة قد تبدو قوية ما دامت الظروف هادئة، لكنها تصبح أكثر هشاشة أمام الضغوط والتحولات. فالغلاف وحده لا يحمل وطناً، والشعارات لا تعوّض نسيجاً متآكلاً، مهما بلغت بلاغتها.

وهنا لا أتحدث عن مسؤول بعينه، ولا عن مؤسسة دون غيرها. فالمسؤولية طبقات، من أصغر موقع في المجتمع إلى أعلى مواقع القرار، كما أن المواطن نفسه جزء من هذا النسيج، له حقوق وعليه واجبات.

كل خيط ينقطع مسؤولية، وكل خيط نعيد وصله قوة للوطن.

لذلك، ربما آن الأوان أن نتوقف عن تلميع الغلاف، وأن نمتلك شجاعة النظر إلى الداخل.

أن نعيد وصل الكفاءة بالفرصة، والخبرة بالشباب، والقرار بالمساءلة، والاقتصاد بحياة المواطن، والسلطة بالمسؤولية، والاختلاف بالمصلحة الوطنية.

أن نعيد بناء الثقة، لا أن نكتفي بالمطالبة بها.

وأن نملأ هذه الكرة بالفعل والعمل والعدل والمعرفة والمشاركة، لا بالمظاهر والتصريحات.

فالأوطان لا تُقاس بما يبدو عليها من هيبة، بل بما تحمله في داخلها من تماسك وقدرة على الصمود.

وهذه، في جوهرها، إحدى أفكار هندسة الاقتصاد الوطني: لا يكفي أن تنجح الأجزاء منفردة، إذا كانت الروابط بينها عاجزة عن إنتاج النجاح للمنظومة كلها.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يستحق أن نتأمله:

هل نحن نبني وطناً متماسكاً من الداخل… أم نحافظ على غلافه كي لا يرى أحد ما فقدناه من نسيجه؟

فالغلاف قد يحفظ الشكل زمناً…

لكن النسيج وحده هو الذي يحفظ الوطن.

— م. سفيان الخالدي
مؤسس ومصمم هندسة أنظمة الاقتصاد (ESE)
هندسة الاقتصاد الوطني (JEEA)

#الكرة_المغلّفة #الوطن_ليس_غلافاً #الأردن #النسيج_الوطني #المسؤولية_والمساءلة #الشباب_مستقبل_الوطن #هندسة_الاقتصاد_الوطني #ESE

مقالات ذات صلة