بقلم: د. هبه حدادين
لم يكن خطاب العرش السامي لجلالة الملك عبد الله الثاني المعظم مجرد خطاب لافتتاح دورة برلمانية، بل كان بياناً سياسياً سيادياً حدد فيه جلالته عقيدة الدولة الأردنية للمرحلة القادمة بلا مواربة.
لقد استمعنا لخطاب ملك وقائد وضع ثلاث ركائز لا تنفصل: سيادة القانون في الداخل، والردع في مواجهة الخارج، والاستدامة في تأمين المستقبل.
حين يقول رأس الدولة "لا حصانة لأي شخص يسيء استخدام منصبه، أياً كان موقعه"، فهذا ليس تصريحاً عابراً، هذا قرار دولة.
إنها المرة التي يُعلن فيها بشكل قاطع أن الشرعية لم تعد تُمنح بالمنصب، بل بالالتزام بالقانون. الفساد لم يعد يُقرأ كتجاوز إداري، بل كإخلال خطير بمقومات الدولة وأركانها. الرسالة واضحة للداخل والخارج: الأردن يدخل مرحلة التعاقد الجديد بين الدولة والمواطن، عنوانه أن القانون لا يعرف اسماً ولا نفوذاً، وأن الوظيفة العامة أمانة وطنية وليست غنيمة.
وفي الشق السيادي، جاء الخطاب ليؤكد عقيدة راسخة: الأردن دولة منيعة بطبيعتها، لا بقرار طارئ.
التأكيد على أن "الأردن عصيٌ على كل معتدٍ غاشم" هو تثبيت لمعادلة الردع الأردنية. نحن لا نساوم على أمننا ووحدتنا، ولا نسمح للخوارج والإرهابيين بالاقتراب من سياج الوطن. هذه المنعة ليست شعاراً إعلامياً، بل هي نتاج مؤسسة عسكرية وأمنية باسلة، والتفاف شعبي حول القيادة الهاشمية يجعل من "مصلحة الأردنيين أولاً" عقيدة وطنية جامعة، تحوّل الاختلاف في الرأي إلى مصدر قوة لا ضعف.
وهنا تكمن الرؤية الاستراتيجية للخطاب؛ فقد ربط جلالته الأمن المائي بالأمن القومي، وهذا توصيف سياسي دقيق. الماء لم يعد ملف خدمات، بل هو ملف سيادة وقرار وطني.
ثم ربطه برؤية التحديث الاقتصادي، ليقول إن الاستدامة ليست رفاهية بيئية، بل هي ضمانة للحقوق القادمة. الاقتصاد القوي هو من يحمي القرار السياسي المستقل. والتنمية الحقيقية ليست أرقام نمو، بل هي ما يلمسه المواطن في فرصته وكرامته وقدرته على البقاء واثقاً في وطنه.
إننا، وإن اشتدت العواصف الإقليمية، نبقى على العهد.. جنوداً أوفياء لهذا التراب الطهور، تحت راية الهاشميين الأطهار الذين ما انفكوا يضعون الوطن ومواطنيه في حدقات العيون.
إننا اليوم أمام خارطة طريق ملكية واضحة: لا مكان لفاسد، ولا موطئ قدم لإرهابي، ولا مساومة على قوت الأردنيين ومستقبل أبنائهم.
حفظ الله الأردن قوياً منيعاً تحت قيادة جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم.
