الرئيسية / مقالات
مقالات

بعد انقضاء الحداد: كيف نحفظ للضحايا حقهم في الذاكرة؟

بعد انقضاء الحداد: كيف نحفظ للضحايا حقهم في الذاكرة؟

بقلم: عمر الدريني 

 

من لحظة التضامن إلى مسؤولية لا تنتهي بانطفاء الاهتمام
للحداد وقت تعلنه الدولة، وللحزن وقت يفرضه الفقد، لكن أثر المأساة لا يلتزم بالتقويم، تنتهي أيام الحداد الرسمي، وتعود المؤسسات إلى جداول أعمالها، وتتراجع الأخبار عن الصفحات الأولى، فيما تبقى أسر تنتظر أن تتعلم كيف تعيش مع غياب لن تعوّضه الأيام، ومصابون يواجهون رحلة علاج قد تطول، وأشخاص تغيرت تفاصيل حياتهم في لحظة واحدة، عند هذه النقطة تحديدًا يظهر الفرق بين التضامن بوصفه استجابة عاطفية، والتضامن بوصفه مسؤولية تستمر بعد أن يهدأ المشهد العام.
في الثالث والعشرين من تشرين الأول 2026، وقع الاعتداء خلال مراسم تشييع في كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بلواء القصر بمحافظة الكرك، وأسفر وفق الحصيلة النهائية المعلنة عن تسعة قتلى وأربعة وثلاثين مصابًا، وأُعلن الحداد العام ثلاثة أيام، ثم أُعلن في السادس والعشرين من الشهر نفسه القبض على ثلاثة متورطين، مع استمرار التحقيقات، هذه الوقائع تحدد مسارًا رسميًا للحدث، لكنها لا تختصر ما يعيشه المتضررون بعد انقضاء التغطية الإعلامية، ولا تحدد المدة التي يحتاجها الإنسان حتى يستعيد شيئًا من توازنه.
في الأيام الأولى، تتقدم مشاهد التعاطف إلى الواجهة: بيانات النعي، والزيارات، والرسائل، ومواقف التضامن، وهي جميعًا ذات قيمة إنسانية ووطنية، خصوصًا حين تصدر بصدق ومن دون استعراض، غير أن اختبارها الحقيقي يأتي لاحقًا، حين لا تعود الكاميرات حاضرة، وحين يحتاج المصاب إلى متابعة طبية، أو تحتاج أسرة فقدت معيلًا إلى معرفة حقوقها وإجراءات الدعم المتاحة، أو يحتاج طفل فقد شخصًا قريبًا منه إلى رعاية تراعي عمره وحالته النفسية، فهذه احتياجات لا تنتهي بانتهاء مراسم العزاء، ولا ينبغي أن تُترك لمبادرات متفرقة قد تتوقف حين ينشغل الناس بقضية أخرى.
ومن هنا تبرز أهمية وجود متابعة مؤسسية واضحة للمتضررين، تحفظ خصوصيتهم وتمنع تشتت احتياجاتهم بين أكثر من جهة، وقد تكون البداية بتحديد جهة اتصال معروفة لكل أسرة، وتوضيح مسارات الدعم الصحي والاجتماعي، ومتابعة الحالات التي تحتاج إلى علاج أو تأهيل، وإتاحة المعلومات المتعلقة بالمساعدات والحقوق من دون تعقيد أو اضطرار الناس إلى تكرار شرح مصابهم في كل مراجعة، فكرامة الإنسان تظهر أيضًا في الطريقة التي تُدار بها حاجته، وفي مقدار ما يُخفف عنه من أعباء إدارية ونفسية.
وتحتاج الذاكرة العامة بدورها إلى قدر من الحكمة، فتخليد الضحايا لا يكون بتكرار صور الألم، أو إعادة نشر مشاهد الفاجعة في كل مناسبة، أو مطالبة أسرهم باستعادة تفاصيل لا ترغب في الحديث عنها، يمكن للذاكرة أن تحفظ أسماء من رحلوا، وأن توثق الحدث بمسؤولية، وأن تتيح للعائلات اختيار الطريقة التي تليق بخصوصيتها، وقد تكون المبادرات الهادئة، التي تنطلق من رغبة أصحاب العلاقة وتراعي مشاعرهم، أصدق أثرًا من فعاليات كبيرة تُنظم باسمهم من دون أن يُسألوا عما يريدونه.
كما أن احترام الضحايا يقتضي ألا تتحول ذكراهم إلى مادة للمزايدة أو التنافس على إظهار الحزن، فالألم لا يحتاج إلى شهادة علنية كي يكون حقيقيًا، والتضامن لا يُقاس بعدد المنشورات ولا بحجم الصور المتداولة، ومن حق كل أسرة أن تحزن بطريقتها، وأن تختار متى تتحدث ومتى تصمت، وأن تحافظ على تفاصيلها بعيدًا عن فضول الجمهور، هذا الاحترام جزء من المسؤولية الأخلاقية التي تفرضها الفاجعة على المجتمع والمؤسسات والإعلام.
وقد يكون من المفيد أن تُراجع الجهات المعنية، بعد انتهاء الإجراءات العاجلة، ما إذا كانت آليات رعاية المصابين وأسر الضحايا كافية، وأن تستخلص من التجربة ما يحسن الاستجابة في الحوادث المستقبلية، فالمراجعة هنا لا تتعلق بالبحث عن صورة احتفالية للوفاء، وإنما بضمان ألا يسقط أحد من الحسابات حين تنخفض حرارة الاهتمام العام.
لا نستطيع أن نطلب من أسر الضحايا أن تتجاوز ما حدث، ولا أن نحدد لها موعدًا لانتهاء الحزن، لكننا نستطيع أن نحدد لأنفسنا واجبًا واضحًا: ألا ننسى احتياجاتهم حين ننسى تفاصيل الخبر، وألا نخلط بين تخليد الذكرى واستثمارها، وألا نجعل الحداد ثلاثة أيام فيما تمتد تبعات الفقد سنوات، فبعض المسؤوليات تبدأ فعلًا عندما يغادر المعزون، وتصبح الأسماء التي نذكرها في بيانات النعي وجوهًا وبيوتًا وحقوقًا تحتاج إلى من يصونها.

مقالات ذات صلة