الرئيسية / مقالات
مقالات

الإرهاب صناعة متكاملة الاركان . بقلم: جميل القاضي

الإرهاب صناعة متكاملة الاركان . بقلم: جميل القاضي

الإرهاب صناعة متكاملة الاركان ..

المستشار الإعلامي / جميل سامي القاضي

حين تتحول الدماء إلى سلعة، والفوضى إلى مشروع، والإنسان إلى أداة في أيدي صناع الخراب عندها فالارهاب
ليس دائما وليد لحظة طيش، ولا هو في كل صوره انحراف عابر عن جادة الصواب، بل قد يكون صناعة متكاملة الأركان، تبدأ بفكرة تزرع، وعقل يضلل، وبيئة يعبث بها، ثم تمتد إليها أياد خفية، تتولى التمويل والتوجيه والتوظيف، حتى يتحول الإنسان إلى أداة قتل، ويغدو الموت وسيلة لتحقيق غايات لا علاقة لها بالدين، ولا تمت بصلة إلى الأخلاق، ولا تعرف من الإنسانية إلا اسمها.

إن أخطر ما في الإرهاب ليس الرصاصة التي تخترق جسد الأبرياء، ولا العبوة التي تمزق أمن المدن، ولا الصرخة التي تسبق مشهد الدم والدمار؛ بل تلك العقول التي تخطط في الظلام، وتحسن اختيار ضحاياها، وتعرف كيف تستثمر في جهل الإنسان، وفقره، ويأسه، وشعوره بالظلم، لتعيد تشكيل وعيه، وتختطف إرادته، وتدفعه إلى ارتكاب ما كان يرفضه بالأمس، ثم تقنعه بأنه يؤدي رسالة مقدسة، بينما هو في الحقيقة يؤدي دورا مرسوما في مشروع لا يعرف أبعاده، ولا يدرك نهاياته.

فليس كل من حمل السلاح صاحب القرار، وليس كل من ضغط على الزناد هو صاحب الجريمة الأكبر؛ فثمة من يزرع الفكرة، ومن يمول الحركة، ومن يختار الهدف، ثم يترك للآخرين مهمة الموت، ويحتفظ لنفسه بثمار الخراب.
وهنا تكمن خطورة الإرهاب حين يصبح صناعة تتجاوز حدود الأفراد والجماعات، لتدخل في حسابات المصالح والصراعات والنفوذ، فالفوضى، في نظر صانعيها، ليست كارثة بالضرورة، بل قد تكون فرصة وانهيار الدول ليس خسارة دائما في حساباتهم، بل قد يكون مدخلا للسيطرة على مقدراتها، وإضعاف مؤسساتها، وتمزيق نسيجها الاجتماعي، وإعادة رسم موازين القوة على أنقاض استقرارها.

وما أكثر الجهات التي قد تجد في اضطراب الأوطان منفعة، وفي انقسام الشعوب فرصة، وفي استنزاف الجيوش إضعافا للخصوم. غير أن الإنصاف يقتضي ألا نوجه الاتهام جزافا، أو نضع الشعوب والأديان في قفص الاتهام، بل أن نبحث عن الأدلة، ونكشف شبكات التمويل والتحريض والتجنيد، ونميز بين من يحمل الفكر المتطرف، ومن يقف خلفه، ومن يستثمر في نتائجه، ومن يدفع ثمنه من دم أبنائه وأمن وطنه.

فالإرهاب لا يحتاج دائما إلى جيش معلن، ولا إلى راية واضحة، ولا إلى حدود جغرافية معروفة فقد يبدأ بخطاب تحريضي، أو بمنبر يشرعن الكراهية، أو بمنصة تقتات على التضليل، أو بجهة تستغل مظلمة حقيقية لتزرع في النفوس قناعة زائفة بأن الانتقام هو العدالة، وأن قتل الأبرياء هو النصر، وأن هدم الأوطان هو الطريق إلى بنائها.
وحين تتكامل هذه العناصر، يصبح الإرهاب أكثر من مجرد فعل إجرامي يصبح منظومة تستثمر في الإنسان قبل أن تستخدمه، وتعيد تشكيل وعيه قبل أن تدفعه إلى المواجهة، وتغسل يديها من دمائه قبل أن تجف الدماء على الأرض.

وليس أخطر على المجتمعات من الخلط المتعمد بين الإرهاب والدين، أو بين التطرف والانتماء، أو بين الجريمة وهوية مرتكبها فالإرهاب لا دين له يبرر قتل الأبرياء، ولا وطن يمنحه الحق في سفك الدماء، ولا قضية عادلة تبيح استباحة الإنسان وحين يستخدم الدين ستارا للعنف، فإن الجريمة لا تسيء إلى ضحاياها وحدهم، بل تسيء كذلك إلى القيم التي تدعي الدفاع عنها.

كما أن مواجهة الإرهاب لا تكون بتجريم جماعات بأكملها، ولا بإهانة الشعوب، ولا بتغذية الكراهية التي يتغذى عليها المتطرفون أنفسهم لأن الظلم، حين يتراكم، يمنح دعاة التطرف مادة للتجنيد، ويمنح تجار الدماء ذرائع جديدة. والعدالة ليست ترفا سياسيا يمكن تأجيله، بل هي أحد أهم الحصون التي تحمي المجتمعات من الانزلاق إلى دوامة العنف.

إن الدول التي تريد حماية أمنها لا يكفيها أن تلاحق المسلحين، مهما كانت ضرورة ذلك، بل عليها أن تحاصر مصادر التطرف، وتكافح الفساد، وتسد أبواب التمويل غير المشروع، وتواجه خطاب الكراهية، وتحمي التعليم والإعلام من التضليل، وتفتح أمام الشباب أبواب العمل والمشاركة والأمل فالعقل الذي يجد في وطنه عدالة وكرامة وفرصة للحياة، أقل عرضة لأن يقع فريسة لمن يبيعونه وهما باسم الدين أو الحرية أو الثأر.
ومع ذلك، فإن الفقر وحده لا يصنع إرهابا، والجهل وحده لا يفسر التطرف، والظلم لا يمنح أحدا عذرا لقتل الأبرياء. فهناك ملايين البشر يعيشون ظروفا قاسية ولا يسلكون طريق العنف، كما أن التطرف قد ينشأ في بيئات ميسورة ومتعلمة ولذلك فإن فهم الظاهرة يتطلب النظر إلى تداخل العوامل الفكرية والنفسية والاجتماعية والسياسية، دون تبسيط مخل، ودون إعفاء المجرم من مسؤوليته عن اختياراته وأفعاله.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست معركة رصاص فحسب، بل معركة وعي وبصيرة، ومعركة دولة قانون ومؤسسات، ومعركة أخلاق ترفض تحويل الإنسان إلى وقود لمشاريع الآخرين. فكلما غابت الحقيقة، اتسعت مساحة الإشاعة؛ وكلما غابت العدالة، وجد المحرضون ما يستغلونه؛ وكلما ضعف الوعي، أصبح المجتمع أكثر قابلية للانقسام والاستقطاب.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يظل حاضرا في أذهاننا ليس فقط من نفذ العملية الإرهابية؟ بل أيضا من جنّد المنفذين؟ ومن موّلهم؟ ومن صنع الخطاب الذي برر لهم جريمتهم؟ ومن سهل وصولهم إلى السلاح؟ وهل كانت هناك جهات استفادت من توقيت الجريمة ونتائجها؟ تلك أسئلة مشروعة حين تطرح في إطار التحقيق المسؤول، وتجاب عنها بالأدلة لا بالأوهام، وبالوقائع لا بالاتهامات المرسلة.
فالحقيقة لا تخدم العدالة وحدها، بل تحمي المجتمعات من أن تتحول إلى ضحية ثانية للإرهاب ضحية للخوف والتضليل، وللانتقام الأعمى، وللصراعات التي تستثمر في دماء الأبرياء وما من خطر يوازي خطر الجريمة نفسها سوى أن تستغل الجريمة لتبرير جرائم أخرى، أو لتفكيك المجتمعات، أو لإشعال حروب لا يعرف الناس لماذا بدأت، ولا متى تنتهي.

وفي منطقتنا العربية، التي دفعت أثمانا باهظة من أمنها واستقرارها ودماء أبنائها، تبرز الحاجة إلى موقف واع لا ينخدع بالشعارات، ولا ينساق وراء الروايات الجاهزة، ولا يسمح بتحويل الخلافات السياسية إلى عداوات بين الشعوب فالأوطان لا تحمى بالشائعات، ولا تصان بالتحريض، ولا تستعيد عافيتها بتبادل الاتهامات وإنما تحمى بوحدة الصف، وقوة المؤسسات، وعدالة القانون، والقدرة على كشف الحقيقة مهما كان ثمنها.

إن الإرهاب حين يضرب، لا يختار ضحاياه دائما وفق هوياتهم، بل يترك خلفه أما ثكلى، وطفلا يتيما، وأسرة مفجوعة، ووطنا مثقلا بالخوف ولذلك فإن الوقوف في وجهه مسؤولية إنسانية وأخلاقية قبل أن تكون موقفا سياسيا ومن حق المجتمعات أن تعرف من قتل أبناءها، ومن حقها أن ترى الجناة أمام العدالة، ومن حقها كذلك أن تعرف إن كان وراء الجريمة من خطط أو مول أو حرض أو تستر، على أن تكون المحاسبة قائمة على البينة والقانون.

إن أخطر ما يمكن أن نفعله في مواجهة الإرهاب هو أن نكتفي بمشهد الجريمة، ونغفل عن منظومتها وأن نطارد اليد التي نفذت، ونترك العقل الذي خطط وأن ندفن الضحايا، فيما تبقى مصانع الكراهية مفتوحة الأبواب فإذا أردنا اجتثاث الإرهاب، فعلينا أن نواجهه في جذوره ومظاهره معا أن نحاسب القاتل، ونكشف المحرض، ونتتبع المال، ونحاصر الفكر الذي يشرعن الجريمة، ونحمي المجتمع من كل من يتاجر بمخاوفه وآلامه فالأمن لا يتحقق بالصمت عن الحقيقة، والعدالة لا تكتمل بمحاسبة المنفذ وحده إذا ثبت أن وراءه شركاء، والاستقرار لا يبنى على إخفاء الأسباب، بل على معالجتها بشجاعة وحكمة.

وفي نهاية المطاف، قد ينجح صانع الإرهاب في إشعال حريق، وقد ينجح في بث الرعب، وقد يحقق مكسبا عابرا من وراء الدماء لكنه لن يستطيع أن يمنح الخراب شرعية، أو يجعل من الجريمة بطولة، أو يقنع الشعوب إلى الأبد بأن الموت طريق إلى الحياة.

فالإرهاب صناعة حين يخطط له، وتجارة حين يستثمر فيه، وجريمة حين ينفذ، وخيانة حين يستخدم لهدم الأوطان.
أما الشعوب الواعية، فهي التي لا تكتفي بلعن النار، بل تبحث عن اليد التي أشعلتها ولا تسمح لتجار الدماء بأن يجعلوا من خوفها سلعة، ومن انقسامها غنيمة، ومن مستقبل أبنائها رهينة لمصالحهم.

فالأمم لا تنتصر على الإرهاب بكثرة ما تدفن من ضحايا، بل بقدرتها على منع الجريمة، وكشف صناعها، ومحاسبة المسؤولين عنها، وإغلاق الأبواب التي يدخل منها الخراب.

وستبقى الحقيقة الكبرى أن الإرهاب، مهما تعددت وجوهه وتبدلت راياته، لا يزدهر إلا حيث يجد من يستثمر فيه، ولا يستمر إلا حيث يجد من يغذيه، ولا يهزم هزيمة حقيقية إلا حين تكشف شبكاته، وتجفف منابعه، ويحرم صانعوه من القدرة على تحويل الإنسان إلى أداة، والوطن إلى ساحة، والدم إلى ثمن لمصالح لا تعرف الرحمة.

فلا تكتفوا بالسؤال من قتل؟ بل اسألوا أيضا من صنع الطريق إلى القتل، ومن فتح أبوابه، ومن أراد للدم أن يسيل؟ هناك، في عمق الأسئلة، تبدأ معركة الحقيقة، وهناك فقط يبدأ الطريق إلى اجتثاث الإرهاب من جذوره.

مقالات ذات صلة