كتب _خلف القرعان
من رحم الركام تخرج المواعظ، ومن قلب المحن تُصقل صخور هذا الوطن العصية على الكسر. ليست المرة الأولى التي يراهن فيها المتوهمون على إحداث شقٍّ في جدارنا المتين، ولن تكون الأخيرة؛ لكن الرد الأردني كان وسيظل دوماً صاعقاً، حاسماً، ومكتوباً بدم الشهداء وعزيمة المخلصين.
إن ما شهدته الكرك في تلك الأحداث الأليمة، وما تلاه من استنفار أمني حازم وتأكيدٍ رسمي لا يساوم على تغيير قواعد التعامل مع ظلاميّي الفكر ودعاة التكفير، لم يكن مجرد استجابة أمنية لحدث طارئ، بل كان إعلاناً صريحاً لبدء مرحلة جديدة لا مكان فيها للمهاودة. لقد أثبت الأردن -عن جدارة واستحقاق- أنه الدولة الوحيدة في هذه المنطقة الملتهبة التي امتلكت الشجاعة والرؤية الحصيفة لإدارة هذا الملف المعقد، بدحر الإرهاب في الميدان وتفكيك بيئته الفكرية من الجذور.
ولكن، بعيداً عن لغة السلاح ومداهمات رجال الأمن البواسل، ثمة نصرٌ آخر تحقق على أرض الواقع، نصرٌ لا يقل أهمية عن دحر الإرهابيين في أوكارهم؛ لقد فاز الشعب الأردني في هذه المعركة. فاز حين وقفت العشيرة بجانب المدينة، والمسجد بجوار الكنيسة، ليطفئوا جميعاً بصوت واحد ونبض واحد نار الفتنة التي أراد الإرهاب إشعالها بين أبناء الجسد الواحد.
رغم الحزن الذي خيم على القلوب، والرثاء الذي تليناه على أرواح شهدائنا الأبرار، أقولها بملء الفم وبكل صراحة ووضوح: لقد خرج المجتمع الأردني من هذه التجربة أكثر صلابة وتلاحماً. أثبت الأردنيون أن المواطنة بالنسبة لهم ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي عقيدة وركيزة وجود. الأردني هو الأردني؛ يحمي أرضه، ويصون عرضه، ويذود عن حمى وطنه، بغض النظر عن دينه أو عقيدته.
إن الرسالة التي كتبت بالدم في الكرك وصلت إلى من يهمه الأمر: هذا الوطن ليس مكسر عصا، ووحدته الوطنية خط أحمر لا تُقرَب حياضه. لقد انطفأت شرارة الفتنة تحت أقدام الأردنيين المتحدين، وبقيت الراية ممدودة في السماء، تظلل شعباً آمَنَ بأن قوته في وحدته، وأن الأردن سيبقى عصياً على الانكسار.
الأردني أردني مهما كان دينه
