الدكتور ظاهر محمد الزواهرة – الجامعة الهاشمية
الألم يعتصرنا جميعًا، والمرارة في أفواهنا كلنا، حين نرى الدماء البريئة تنزف دون ذنب. ومن الذي يملك حق القصاص في الأرض؟ ومن الذين ينصّبون أنفسهم مكان الله، فيسيئون أكثر مما يحسنون؟ إننا نتفق جميعًا، اليوم وغدًا، على أن عدوّنا هو الإرهاب والقتل والترويع، والجهلة المغرر بهم، والضالون المضلون الذين يتخذون من الدين ستارًا لجرائمهم.
مسلمون ومسيحيون نعيش بكل مودة وإخاء، وعشرة عمر طويلة لن تنتهي؛ هم أهلنا ونحن أهلهم. ولدينا في الأردن تعايش وطيد، وتسامح يعكس حرية الأديان التي نفاخر بها الدنيا، كما يعكس تميز القيادة الهاشمية، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله ورعاه. وقد كان جلالته قريبًا، كعادته، من الجرحى والمصابين، يحمل همّ الوطن والحزن على أبنائه، ويوجه رسالة حازمة لأصحاب الفكر المنحرف الذين يحاولون النيل من وطن ليس كمثله وطن، وشرخ وحدة المودة والإخاء بين أبنائه. وكأن لسان حال الأردنيين جميعًا يقول: «رح نورجيهم».
إنها الصورة الذهبية للعيش المشترك والمحبة، والمثال الذي يصلح لأهل الأرض جميعًا؛ فليس في نفوسنا ذرة تفكير تقربنا من الطائفية المنبوذة، بل نرسل للعالم صورة في الأخوة والمودة منقطعة النظير. وحيثما كنا، مسلمين أو مسيحيين، فإننا نعيش همًّا واحدًا ومصيرًا مشتركًا، وندرك أن من يحاول إشعال الفتنة لن يجني إلا الخيبة، وأن النار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.
إن ما حدث في حمود الكرك الحبيبة من اعتداء سافر وظالم على إخواننا المسيحيين، وهم يعيشون حزنًا عميقًا، يبعث على الأسى والألم، لكنه يعلمنا درسًا واضحًا: أن القائم على الفتنة لا يمثل الإسلام ولا المسيحية، وإنما هو من أصحاب الفكر الضال الذين أزعجتهم العلاقات الحميمة التي تجمع أبناء الوطن. وقد نسي هؤلاء كيف تعايش المسلمون والمسيحيون عبر التاريخ في رضا وتوافق ومحبة، منذ العهدة العمرية التي كرست قيم الأمان والتسامح، وصولًا إلى حاضرنا الذي ازدادت فيه صورة الأخوة صفاءً ومودة في أردن المحبة والنقاء.
إن ما حدث لن يهز وحدة الأهل وتسامحهم، ولن يزيد المسلمين والمسيحيين إلا صبرًا وثباتًا وقوة. فقد اعتدنا أن نشارك إخواننا المسيحيين أفراحهم وأعيادهم، وأن نقف إلى جانبهم في أحزانهم ومصائبهم، وسيبقى المسلمون حراسًا لإخوانهم المسيحيين، كما سيبقى الجميع صفًا واحدًا في حماية الوطن وصون كرامة أبنائه. وقد أظهرت مواقف الأردنيين في الكرك عمق هذه اللحمة الوطنية، والتفافهم حول القيادة الهاشمية والأجهزة الأمنية، وتعاضدهم مع الجرحى وذوي الضحايا، في رسالة واضحة لكل من تسوّل له نفسه الاعتداء على الأبرياء.
ولا يسعنا إلا أن نقدم اعتزازنا بأجهزتنا الأمنية الساهرة على أمن الوطن والمواطن، أولئك الذين يسهرون الليل ويقفون في النهار بعيدًا عن عدسات الكاميرات والتصفيق، ويقدمون التضحيات والبطولات، ويبذلون دماءهم في سبيل الحق والعدل وملاحقة المجرمين وإنفاذ القانون. وهم الذين يزفون إلى الأردنيين خبر إلقاء القبض على الخلية الإرهابية التي ارتكبت هذا العمل الجبان، ليؤكدوا أن أمن الوطن أمانة يصونها رجال أوفياء لا يتوانون عن أداء واجبهم. أنتم تاج العزة الذي نضعه على جباهنا، وموضع فخرنا واعتزازنا، حماكم الله برعايته.
إن ديننا الإسلامي لا يقر الإرهاب ولا القتل، ولا يحث عليهما أبدًا؛ فما انتشر الإسلام بالإكراه، وإنما انتشر بالتسامح والمعاملة الحسنة، والعدل وحفظ الحقوق. وقد جاء القرآن الكريم واضحًا في قوله تعالى: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»، وهي آية تؤكد عظمة حرية الاعتقاد ورفض إجبار الإنسان على ما لا يؤمن به. كما أن الإيمان الإسلامي يقوم على التصديق بالأنبياء جميعًا، عليهم السلام، واحترام الكتب السماوية، قال تعالى: «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ».
ونؤمن بعيسى عليه السلام، كما نؤمن بسائر الأنبياء والرسل، ونؤمن بأن احترام الإنسان وكرامته من جوهر الإيمان. لذلك، لا يجوز أن نسمح للمجرمين بأن يزرعوا الشك والعداء بين المسلمين والمسيحيين، أو أن ننشغل بفتنة تفرقنا عن عدونا الحقيقي الذي يستهدف أمننا جميعًا.
ونحن في جامعاتنا، صروح العلم والوعي والإبداع، تقع على عاتقنا مسؤولية كبيرة في غرس قيم التسامح ورفض الفكر المنحرف في نفوس الطلبة. وقد توشح الوطن بالسواد، وخيم الحزن على بيوتنا وقاعاتنا، فبدأنا محاضراتنا بالوقوف دقيقة صمت ودعاء لأرواح إخواننا في حمود الكرك، واستحضرنا حجم الخسارة وفداحة الجريمة، وأكدنا براءة الإسلام منها، وضرورة التمسك بالعلاقة الأخوية التي تجمع المسلمين والمسيحيين. لقد تغير مضمون محاضراتنا، لكن رسالتنا بقيت واحدة: الوعي في مواجهة التطرف، والمحبة في مواجهة الكراهية، والوحدة في مواجهة الفتنة.
وقد أوجعنا رحيل كوكبة من العلماء وأصحاب الأيادي البيضاء، ومنهم زميلنا الدكتور عاصم برقان، والدكتور محمد القسوس، ممن تركوا أثرًا طيبًا في حياة الناس. إن فقدهم مصاب للوطن بأسره، وواجبنا أن نحفظ ذكراهم، وأن نواصل العمل من أجل مجتمع يرفض العنف ويحترم الحياة ويصون كرامة الإنسان.
وإذا اتجهنا إلى القدس، مهبط الأنبياء وموطن المقدسات، أدركنا أن الاعتداء لا يفرق بين مسلم ومسيحي، ولا بين مسجد وكنيسة. فقد عانت المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين من الاعتداءات، وتعرض المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة لانتهاكات تؤكد أن استهداف دور العبادة لا يعرف دينًا ولا يحترم قداسة المكان. ولهذا، فإن وحدتنا هي الرد على كل من يحاول تفريقنا، وموقفنا المشترك هو رفض الظلم وحماية المقدسات وصون حق الإنسان في الأمن والعبادة.
إننا نبكي جميعًا لأجل الخير، ونصلي من أجل الخلاص من الظلم، ونرجو العزة والسلام، لأننا جميعًا نحب القدس، ونؤمن بأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن المساجد والكنائس ستبقى شواهد على تاريخ من التآلف والإخاء.
اليوم، أيها الوطن الممتد في شراييننا حبًا، نقف صفًا واحدًا خلف قيادتنا الهاشمية، ونعتز بأجهزتنا الأمنية وجندنا الأوفياء، ونؤكد أن دماء الأبرياء لن تفرقنا، وأن الأردن سيبقى وطن المحبة والوحدة والتسامح، عصيًا على الإرهاب والفتنة.
رحم الله الضحايا، ومنح ذويهم الصبر والسلوان، وحفظ الأردن وقيادته وشعبه من كل سوء.
الدكتور ظاهر محمد الزواهرة – الجامعة الهاشمية
الأحد، 25/10/2026م
