الرئيسية / مقالات
مقالات

غُصّةٌ في الكرك.. ووجعٌ في قلوب الأردنيين المهندس :سفيان الخالدي

غُصّةٌ في الكرك.. ووجعٌ في قلوب الأردنيين  المهندس :سفيان الخالدي

نثريات — من النفس وللنفس

غُصّةٌ في الكرك.. ووجعٌ في قلوب الأردنيين 

بعضُ الأوجاعِ لا تسعُها الكلمات، وبعضُ المصائبِ لا تبكيها العيونُ وحدها، بل تبكيها الأوطانُ بأكملها..

وفي الكرك، حيثُ تعانقتْ مآذنُنا وأجراسُ كنائسِنا على أرضٍ واحدة، امتدّتْ يدُ الغدرِ إلى أرواحٍ آمنة، فكان الجرحُ في حمود، وكانت الغُصّةُ في صدورِ الأردنيين جميعًا..

وهنا أنثرُ كلماتي، لا شعرًا أدّعيه، ولا رثاءً يفي بحقِّ من رحلوا، بل وجعَ أردنيٍّ يرى في كلِّ روحٍ سقطتْ روحًا من وطنه، وفي كلِّ بيتٍ فُجعَ بيتًا من بيوتنا..

يا كركُ.. ما هذا الذي أبكى الأردنيين؟

غُصّةٌ في الكركِ، ووجعٌ في قلوبِ الأردنيين..
ودمعٌ على أرضِ حمودٍ، سالَ من أعينِ المحبّين..

ما ذنبُ عبدٍ جاءَ بيتَ اللهِ، آمنًا، متعبّدًا، مطمئنًّا باليقين؟
وما ذنبُ أبٍ، وأخٍ، وزوجٍ، وطبيبٍ، غابَ ظلمًا عن عيونِ المنتظرين؟

هذا يُصلّي في كنيسةٍ، وذاكَ في مسجدٍ من الساجدين..
وكلاهما في أرضِنا أخٌ، وفي حبِّ الأردنِ متّحدين..

ما فرّقتْ بيننا الأجراسُ، ولا المآذنُ منذُ سنين..
ولا كانَ اختلافُ العبادةِ يومًا فُرقةً بين الأردنيين..

يا ويحَ فكرٍ ضلَّ حتى استباحَ دماءَ الآمنين..
وجعلَ من جهلِه حُكمًا، ومن تكفيرِه سيفًا على الأبرياء المستأمنين..

أيُّ دينٍ يُبيحُ قتلَ من جاءَ يُعزّي الحزانى والمفجوعين؟
وأيُّ يقينٍ يسكنُ قلبًا يستحلُّ دمَ العابدين؟

ما هكذا علّمنا الإسلامُ، ولا هكذا عهدُ ربِّ العالمين..
فدينُنا رحمةٌ وعدلٌ، وصونٌ للعهدِ ودماءِ الآمنين..

يا حمودُ.. يا قريةً صغيرةً في عيونِ الناظرين..
أنتِ اليومَ وطنٌ كبيرٌ، يسكنُ قلوبَ الملايين..

ما نكبتُكِ وحدَكِ، ولا دمعتُكِ دونَ دموعِ الأردنيين..
فكلُّ بيتٍ فيكِ بيتُنا، وكلُّ فقيدٍ منكِ عزيزٌ علينا أجمعين..

هذي أمٌّ تنادي ابنَها، وطفلٌ يسألُ عن أبيه بين الباكين..
وهذي زوجةٌ تنتظرُ وجهًا غابَ، ولن يعودَ مع العائدين..

وهذا طبيبٌ كانَ للناسِ دواءً، ولأوجاعِهم من المداوين..
فصارَ اليومَ وجعًا في القلوبِ، وذكرى في عيونِ المحبّين..

يا ربِّ ما ذنبُ أرواحٍ جاءتْ بالسلامِ، فغابتْ على أيدي الغادرين؟
وما ذنبُ وطنٍ يُبتلى بفكرٍ أعمى، لا يرى في الإنسانِ إلا ما يراهُ المتعصّبون؟

هذا مسيحيٌّ.. وهذا مسلمٌ..

وهذا أردنيٌّ لأخيه سندٌ، في الشدائدِ متعاضدين..
ما سألنا يومًا عن دينِ جارٍ حينَ احتاجَ إلى المعين..

من خبزِ أرضٍ واحدةٍ أكلنا، ومن مائِها ارتوينا سنين..
ومن حليبِ أمّهاتِنا رضعنا محبّةَ الأرضِ، وعهدَ المخلصين..

فلا تظنّوا أنَّ رصاصَ الغدرِ يفرّقُ ما جمعتهُ السنين..
ولا أنَّ فكرًا مريضًا يهدمُ وطنًا شُيّدَ بسواعدِ المخلصين..

يا كركُ.. يا قلعةَ التاريخِ، يا عزَّ الأردنيين..
ما كنتِ يومًا إلا دارَ نخوةٍ، وموئلَ عزٍّ للوافدين..

فيكِ المسلمُ والمسيحيُّ إخوةٌ، على العهدِ باقين..
إذا اشتكى بيتٌ، وجدتِ البيوتَ كلَّها من المواسين..

للهِ دَرُّ هذا الوطنِ..

كلّما أرادوا به فُرقةً، ازدادَ أهلُهُ متّحدين..
وكلّما حاولوا بثَّ الفتنةِ، وجدوا الأردنيينَ متراصّين..

لا نطلبُ ثأرًا أعمى، ولا ظلمًا يُضافُ إلى ظلمِ المعتدين..
بل عدلًا يُنصفُ الضحايا، ويُحاسبُ كلَّ من ثبتَ عليهِ جُرمٌ أمامَ القانونِ والحقِّ المبين..

فليسَ القصاصُ فتنةً، ولا العدلُ انتقامًا من الآخرين..
بل صونٌ لحقِّ الحياةِ، وأمانٌ للناسِ أجمعين..

يا ربِّ ارحمْ من رحلوا، وألهمْ أهلَهم صبرَ الصابرين..
واشفِ جراحَ المصابين، واجبرْ قلوبَ الأمهاتِ والمفجوعين..

واحفظْ أردنَّنا من شرِّ الغلاةِ، ومن فكرِ الحاقدين..
واجعلْ أرضَنا دارَ أمنٍ، ومساجدَنا وكنائسَنا عامرةً بالعابدين..

هذا وطنُنا، ما فرّقتهُ صلاةٌ، ولا باعدتْ بينَ أهلِه السنين..
وهذا عهدُنا، أن نبقى لبعضِنا أهلًا، وعلى المحبّةِ ثابتين..

يا حمودُ..

ما رحلَ أحبّاؤكِ من ذاكرةِ الوطنِ، ولا من قلوبِ الأردنيين..
وما كانتْ دموعُكِ وحدَها، بل دموعَ شعبٍ بأكملِه من المحزونين..

فإنْ كانَ للغدرِ رصاصٌ، فللوطنِ قلوبٌ لا تلين..
وإنْ كانَ للفتنةِ دعاةٌ، فللأردنِّ أهلٌ على عهدِ الوفاءِ باقين..

هذا مسيحيٌّ.. وهذا مسلمٌ.. وكلاهما أردنيٌّ، وفي ترابِ الوطنِ متجذّرين..

رحمةُ اللهِ على أرواحِ الضحايا، والشفاءُ للمصابين، والصبرُ لذويهم أجمعين..

وسيظلُّ الأردنُّ وطنًا واحدًا، بأهلهِ جميعًا، مسلمينَ ومسيحيين.. 🇯🇴

 

مقالات ذات صلة