أحداث المملكة -
بقلم: سمر الخربطلي
عندما يبدأ الشاب رحلة البحث عن وظيفة، يجد نفسه أمام سؤال يبدو بسيطاً، لكنه أصبح يشغل الكثيرين: هل أكتب سيرتي الذاتية بالعربية أم بالإنجليزية؟
في السنوات الأخيرة، أصبحت السيرة الذاتية باللغة الإنجليزية أمراً شبه معتاد، حتى عندما تكون الوظيفة في مؤسسة محلية، وطبيعة العمل لا تتطلب استخدام الإنجليزية بشكل أساسي. وكأن هناك اعتقاداً غير معلن بأن السيرة الإنجليزية أكثر احترافية، وأن العربية قد تقلل من فرص صاحبها.
لا شك أن الإنجليزية مهارة مهمة في سوق العمل، خصوصاً في قطاعات التكنولوجيا والاتصالات والتسويق والأعمال والشركات الدولية. وفي بعض الوظائف تكون اللغة الإنجليزية متطلباً أساسياً، وبالتالي فإن تقديم السيرة بها أمر طبيعي.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يجب أن تصبح اللغة معياراً للحكم على كفاءة المتقدم للوظيفة؟
السيرة الذاتية في الأساس وثيقة تعريفية تقدم خبرات الشخص ومؤهلاته ومهاراته وإنجازاته، ولذلك يفترض أن تكون قوتها في مضمونها ودقتها وتنظيمها، وليس في اللغة التي كتبت بها فقط.
ومع ذلك، يشعر كثير من الشباب اليوم بأن كتابة السيرة بالعربية قد تجعلهم يبدون أقل احترافية، فيلجأون إلى الإنجليزية حتى عندما لا تكون مطلوبة. وقد يكون السبب هو انتشار إعلانات الوظائف باللغة الإنجليزية، أو اعتقاد البعض أن استخدام المصطلحات الإنجليزية يمنح السيرة مظهراً أكثر مهنية.
ومع انتشار أدوات الذكاء الاصطناعي والترجمة، أصبحت كتابة السيرة الذاتية باللغة الإنجليزية أسهل من أي وقت مضى. لكن سهولة الترجمة لا تعني بالضرورة أن السيرة تعكس حقيقة صاحبها، فقد تبدو الكلمات احترافية بينما لا تتطابق مع الخبرات والمهارات الفعلية.
لذلك، فإن المشكلة ليست في استخدام الإنجليزية، كما أنها ليست دعوة إلى التخلي عنها، وإنما في تحويل اللغة إلى معيار وحيد للكفاءة.
فإذا كانت الوظيفة تتطلب التعامل مع شركات أو عملاء من الخارج، أو إعداد تقارير ومراسلات باللغة الإنجليزية، فمن الطبيعي أن تكون السيرة الذاتية باللغة الإنجليزية. أما إذا كانت الوظيفة محلية ولا تتطلب ذلك، فمن الطبيعي أيضاً أن تكون العربية خياراً مهنياً مناسباً.
وربما يكون الحل الأفضل هو أن يمتلك الباحث عن العمل نسختين من سيرته الذاتية، واحدة بالعربية وأخرى بالإنجليزية، ويختار بينهما وفق طبيعة الوظيفة والجهة التي يتقدم إليها.
فالاحترافية لا تبدأ من اللغة، وإنما من الخبرة والمهارة والقدرة على الإنجاز.
وفي النهاية، تبقى السيرة الذاتية وسيلة للتعريف بالشخص، وليست اختباراً لغوياً. والسؤال الذي يستحق أن نطرحه هو:
عندما نقرأ السيرة الذاتية، هل نحكم على اللغة التي كُتبت بها، أم على الكفاءة والخبرة التي تقف خلفها؟
