أحداث المملكة - بقلم: سمر الخربطلي
لم يعد الزواج في الأردن خطوة طبيعية تبدأ بها الحياة، بل أصبح لدى كثير من الشباب قراراً مؤجلاً حتى تتحسن الظروف. شاب ينتظر وظيفة أكثر استقراراً، وآخر يؤجل الارتباط لأنه لم يتمكن من تأمين السكن، وفتاة لم تعد ترى الزواج غاية بحد ذاته، بل شراكة تبحث فيها عن الاستقرار والاحترام والتفاهم.
هذه التفاصيل الصغيرة ترسم صورة أكبر لتحولات طرأت على المجتمع الأردني. فتكاليف الحياة ارتفعت، ومتطلبات الزواج تضخمت، فيما تغيرت نظرة الرجل والمرأة إلى أدوارهما داخل الأسرة. وبين واقع جديد وتوقعات قديمة، أصبح الوصول إلى الزواج أكثر صعوبة مما كان عليه.
بالنسبة إلى الشاب، تبدأ الحكاية غالباً من سؤال القدرة: هل يستطيع أن يؤسس بيتاً ويتحمل نفقاته؟ فالسكن، والمهر، وتجهيز المنزل، ومصاريف الزواج، ثم متطلبات الحياة اليومية، تشكل التزاماً كبيراً أمام دخل قد لا يكون مستقراً. لذلك قد يختار التأجيل، لا رفضاً لفكرة الزواج، وإنما خوفاً من أن يبدأ حياته مثقلاً بالديون.
وفي الجهة الأخرى، تغيرت المرأة بشكل واضح. فالتعليم والعمل والاستقلال في اتخاذ القرار جعلتها أكثر قدرة على رسم مستقبلها، وبالتالي أصبحت أكثر حرصاً على أن يكون الزواج إضافة إلى حياتها، لا بديلاً عنها. وهي تريد شريكاً يشاركها المسؤولية ويحترم عملها وطموحها، وليس مجرد علاقة تقوم على تقسيم تقليدي للأدوار.
لكن التحول في أدوار الرجل والمرأة لم ينهِ التوقعات القديمة. فما زال الرجل، في كثير من الحالات، يتحمل الجزء الأكبر من تكاليف الزواج، بينما يُنتظر من المرأة أن تعمل وتساهم في دخل الأسرة، وفي الوقت نفسه تتحمل جانباً كبيراً من مسؤوليات المنزل. وهنا تبدأ الخلافات حين لا تتحول فكرة الشراكة إلى ممارسة فعلية داخل الأسرة.
وتبقى كلفة الزواج أحد أكثر العوائق وضوحاً. فبعض الشباب يستطيع تأمين بداية متواضعة، لكنه يتردد أمام قائمة من المتطلبات الاجتماعية؛ حفل كبير، وذهب، وأثاث كامل، وسكن مستقل، وغيرها من التفاصيل التي قد لا تكون ضرورية لنجاح الزواج، لكنها أصبحت في نظر البعض جزءاً من "البداية المطلوبة".
حتى وسائل التواصل الاجتماعي دخلت على الخط، فأصبحت حفلات الزواج والمنازل وأنماط الحياة مجالاً للمقارنة. وما يظهر على الشاشة كحياة مثالية قد يتحول في الواقع إلى ضغط إضافي على شاب أو فتاة يحاولان فقط أن يبدآ حياتهما بإمكانات محدودة.
ومع ذلك، فإن تأخر الزواج ليس اقتصادياً فقط. فجيل اليوم أكثر وعياً بأهمية التوافق النفسي والفكري، وأكثر حذراً في اختيار شريك الحياة، خصوصاً مع إدراكه أن الزواج قرار طويل الأمد، وأن الاستعجال فيه قد تكون كلفته أكبر من الانتظار.
لهذا، فإن معالجة المشكلة تحتاج إلى النظر إلى الزواج باعتباره قضية مجتمعية لا مسؤولية فردية. تخفيف تكاليف الزواج، وتشجيع الأسر على التيسير، وتوفير برامج سكن وتمويل ميسرة، وتحسين فرص العمل للشباب، كلها خطوات يمكن أن تجعل تكوين الأسرة أكثر واقعية.
وفي الوقت نفسه، نحتاج إلى مراجعة بعض الأفكار التي تربط نجاح الزواج بحجم الإنفاق عليه، وإلى ترسيخ مفهوم الشراكة بين الرجل والمرأة، بحيث يتفق الزوجان على توزيع المسؤوليات وفق ظروفهما وقدراتهما، لا وفق قوالب اجتماعية ثابتة.
فالأسرة لا تحتاج إلى بداية مثالية، بل إلى بداية ممكنة. وقد يكون أبسط الحلول هو أن نعيد للزواج شيئاً من بساطته، وأن نتذكر أن البيت الذي يبنيه الزوجان معاً أهم من الحفل الذي ينتهي في ليلة واحدة.
