أحداث المملكة - بقلم نور ينال المعاني
حاز الأستاذ الدكتور محمد مسلم محمد الزواهرة، أستاذ القانون، رتبة الأستاذية، في استحقاق أكاديمي يضاف إلى مسيرته العلمية، ويأتي تتويجًا لسنوات من البحث والتدريس والعطاء الجامعي، ولتجربة ترك خلالها أثرًا لافتًا في نفوس طلبته.
ولا تبدو الترقية، في حالة الدكتور الزواهرة، مجرد انتقال من رتبة أكاديمية إلى أخرى؛ فاللقب الجديد يأتي إلى اسمٍ سبقه حضوره ومكانته في أوساط الطلبة، الذين عرفوه أستاذًا متمكنًا في تخصصه، وإنسانًا يحظى باحترامهم ومحبتهم.
في الجامعات، حيث تتعاقب الأسماء والوجوه أمام الطلبة، لا يبقى في الذاكرة إلا من استطاع أن يتجاوز حدود المقرر الدراسي. فالأستاذ قد ينجح في إيصال المعلومة، لكن قلة هم الذين ينجحون في ترك أثرٍ يجعل الطالب يحمل شيئًا منهم معه بعد انتهاء المحاضرة.
والدكتور محمد الزواهرة واحد من هؤلاء.
تتحدث عنه الأوساط الطلابية بمحبة واضحة، ويجد كثير من طلبته فيه أستاذًا يتمنون أن تمتد تجربتهم معه إلى ما هو أبعد من المساق الجامعي؛ أن يكون مشرفًا على أبحاثهم، أو حاضرًا في مناقشة رسائلهم، أو شريكًا في واحدة من أهم المحطات الأكاديمية التي يصل إليها الطالب.
وما يبدو للوهلة الأولى إعجابًا بأستاذ محبوب، هو في حقيقته شهادة أعمق؛ فأن يختار الطالب أستاذًا ليكون حاضرًا في مرحلة علمية مصيرية، يعني أنه يثق بعلمه، وبخبرته، وبإنصافه، وقبل ذلك كله، يثق بالإنسان الذي يقف خلف هذا العلم.
أما على المستوى الشخصي، فقد كان الدكتور محمد بالنسبة لي أكثر من أستاذٍ علّمني القانون.
كان نموذجًا رأيت فيه الصورة التي أتمنى أن أصل إليها يومًا؛ علمًا لا ينفصل عن الأخلاق، وهيبةً لا تحتاج إلى تصنّع، ونجاحًا لا يفقد صاحبه تواضعه وإن علا شأنه.
لطالما كان الإعجاب به يتجاوز حدود القاعة والمحاضرة. في طريقة حديثه، وفي علمه، وفي حضوره، كنت أرى شيئًا يجعلني أفكر: هذا هو الشخص الذي أتمنى أن أصبح مثله في يوم من الأيام.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان في حياة غيره أن يجعله يعيد رسم حدود طموحه دون أن يطلب منه ذلك.
وهذا ما فعلته تجربة الدكتور محمد بي.
لم يجعلني أرغب في أن أكون نسخةً منه، وإنما جعلني أؤمن أن الوصول إلى مكانة علمية وإنسانية كبيرة ممكن، وأن النجاح الحقيقي لا يكمن في الوصول وحده، بل في أن يصل الإنسان دون أن يفقد القيم التي جعلته يستحق الوصول.
وقد لا يعرف الأستاذ حجم الأثر الذي يتركه.
قد تكون كلمة قيلت في محاضرة وبقيت في ذاكرة طالب، أو موقفًا مرّ بالنسبة إليه عابرًا، لكنه بالنسبة لطالب آخر كان درسًا لا يقل أهمية عن أي درس في المنهج.
وهنا تحديدًا تتجلى قيمة الأستاذ الحقيقي.
فالتعليم لا ينتهي عند حدود المعرفة، والأستاذية لا تُختصر في رتبة أكاديمية؛ فهناك علمٌ يُدرّس، وأثرٌ يُزرع.
والدكتور محمد من الأساتذة الذين جمعوا بين الاثنين.
إن قيمة الأستاذ الجامعي لا تقاس فقط بما يكتبه في سيرته الذاتية، وإنما بما يكتبه طلابه عنه في ذاكرتهم؛ كم طالبًا خرج من قاعته أكثر ثقة، وكم طالبًا رفع سقف طموحه، وكم واحدًا منهم سيحمل اسمه معه وهو يمضي إلى مراحل جديدة من حياته.
ومن هذه الزاوية، تبدو رتبة الأستاذية اليوم أكثر من استحقاق علمي؛ إنها مناسبة للاحتفاء بمسيرة أستاذٍ استطاع أن يجعل من حضوره الجامعي قيمة تتجاوز اللقب.
مبارك للأستاذ الدكتور محمد مسلم محمد الزواهرة رتبة الأستاذية، ومبارك لطلابه هذا الاستحقاق الذي يليق بعلمه ومسيرته.
نسأل الله أن يزيده علمًا ورفعة، وأن يبارك في عطائه، وأن يجعل كل ما قدمه لطلابه علمًا ينتفعون به، وأثرًا يبقى بعد أن تنتهي سنوات الدراسة.
فالألقاب تمنحها الجامعات، لكن المكانة الحقيقية يمنحها الناس.
وما أجمل أن يصل أستاذ إلى رتبة الأستاذية، وفي رصيده قبل اللقب طلابٌ يقولون عنه بكل صدق:
كان أستاذنا قدوةً لنا… وكان من أولئك الذين جعلونا نطمح أن نصبح أفضل.
