أحداث المملكة - بقلم د. معتز جريسات
شهد سوق السيارات الأردني خلال السنوات الماضية تحولًا سريعًا نحو المركبات الكهربائية، مدفوعًا بكلفة تشغيل أقل، وتنوع كبير في الطرازات، وحوافز ساعدت على تسريع انتشارها. وكان لهذا التحول أثر واضح في خيارات المستهلك، وطبيعة المنافسة، وحجم الاستثمار في القطاع.
وبعد هذا النمو السريع، يدخل السوق اليوم مرحلة مختلفة: مرحلة تنظيم واستقرار، حتى لا تتحول سرعة الانتشار إلى مصدر اختلالات جديدة.
فالمعادلة لم تعد تتعلق بسعر السيارة وكلفة شحنها فقط. هناك كلفة التمويل والتأمين والصيانة وقطع الغيار، وحالة البطارية، والضمان، وقيمة إعادة البيع. وهذه العناصر مجتمعة هي التي تحدد الكلفة الحقيقية لامتلاك السيارة، وينبغي أن تدخل في قرار المستهلك وفي السياسات المنظمة للسوق.
ومن واقع السوق، فإن اتساع الخيارات، خصوصًا مع دخول علامات صينية بأسعار ومواصفات تنافسية، يمثل فرصة للمستهلك ويعزز المنافسة. لكنه في الوقت نفسه يفرض حاجة أكبر إلى الشفافية؛ فالمشتري يحتاج إلى معلومات واضحة عن السيارة والبطارية والضمان وخدمات ما بعد البيع، وليس إلى مقارنة السعر والمواصفات فقط.
وهنا أرى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مجموعة من الخطوات العملية.
أولها استقرار السياسة الضريبية. ففي قطاع ترتبط قراراته بمخزون وتمويل والتزامات ضمان وخدمة ما بعد البيع، لا يستطيع المستثمر بناء قرارات طويلة الأجل في ظل قواعد تتغير بصورة مفاجئة. والاستقرار لا يعني تثبيت السياسات إلى الأبد، وإنما منح السوق وضوحًا كافيًا للتخطيط وحماية الاستثمار.
وثانيها تنظيم سوق السيارات الكهربائية المستعملة، من خلال آلية واضحة للإفصاح عن حالة البطارية وتاريخ المركبة والضمان. فهذا الإجراء يحمي المستهلك، ويحافظ على قيمة الأصول، ويعزز الثقة في السوق.
وثالثها تطوير منظومة ما بعد البيع، عبر تدريب الفنيين، وتوفير قطع الغيار، ووضع معايير واضحة لصيانة البطاريات والتعامل معها.
أما البنية التحتية للشحن، فيجب أن تتوسع وفق خطة ترتبط بنمو أعداد المركبات وتوزيعها الجغرافي، وبما ينسجم مع احتياجات قطاعي الطاقة والنقل.
وفي المقابل، يحتاج القطاع الخاص إلى تطوير مستوى الخدمة والضمان والمنافسة، لا الاكتفاء بالمنافسة على السعر والمواصفات.
إن مصلحة الحكومة والمستهلك والمستثمر تلتقي هنا في هدف واحد: سوق مستقر وتنافسي وشفاف.
لذلك، لا أرى أن السؤال هو هل نستمر في التحول نحو السيارات الكهربائية أم نتراجع عنه. فهذا التحول أصبح جزءًا من واقع السوق. السؤال الأهم هو: كيف ندير هذا التحول بما يحمي المواطن، ويشجع الاستثمار، ويضمن استدامة السوق؟
فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من إدارة الطفرة إلى إصلاح السوق؛ بسياسات مستقرة، ومعلومات أكثر شفافية، وبنية تحتية مناسبة، ومنافسة حقيقية.
فالنجاح لا يقاس بعدد السيارات الكهربائية التي تدخل الشوارع، وإنما بقدرة السوق على تحويل هذا الانتشار إلى قيمة اقتصادية مستدامة يشعر بها المواطن، ويستفيد منها المستثمر، ويعزز بها الاقتصاد الوطني.
