أحداث المملكة -بقلم عمر الدريني
هناك أشياء كثيرة تتغير في حياة الإنسان؛ تتبدل المدن، وتتطور المهن، وتتسارع التكنولوجيا، لكن حاجة واحدة لا تغادره ما دام حيًّا: حاجته إلى أن يتعلم.
فالإنسان يولد قليل المعرفة، ثم يبدأ رحلة طويلة من الاكتشاف؛ يتعلم من أسرته، وبيئته، وتجربته، وكتابه، ومن الآخرين. ومن هنا بدأت حكاية التعليم، قبل المدارس والمناهج والامتحانات، حين كان الإنسان يبحث عن المعرفة التي لا تملأ عقله فقط، بل تمنحه القدرة على فهم الحياة وصناعة معناها.
وحين جاءت الرسالات السماوية، كان بناء الإنسان في صميمها؛ تصحيحًا للمفاهيم، وتهذيبًا للسلوك، وإيقاظًا للعقل والضمير، وربطًا بين المعرفة والمسؤولية. وفي وصف رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾.
إن الجمع بين التزكية والتعليم والحكمة يكشف حقيقة عميقة: فالإنسان لا يحتاج إلى عقل يعرف فقط، بل إلى ضمير يوجه المعرفة، وحكمة تحسن استخدامها.
ومن هنا تأتي قيمة التعليم بوصفه رسالة لا تموت.
ولا يعني ذلك مساواة المعلم بالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فالنبوة اصطفاء إلهي خاص، وإنما يستلهم المعلم من رسالاتهم قيم العلم والإصلاح والرحمة والحكمة، ويحمل أمانة التعليم في مجاله الإنساني والتربوي.
لقد تغيرت المدرسة، وتعددت أدواتها، وانتقلت المعرفة من الكتاب إلى الشاشة والمنصة والعالم الرقمي، وأصبح الطالب قادرًا على الوصول إلى معلومات هائلة خلال ثوانٍ. لكن وفرة المعلومات لم تُلغِ الحاجة إلى المعلم؛ بل جعلتها أكثر عمقًا.
فالمشكلة اليوم ليست في الوصول إلى المعلومة، وإنما في تمييز الصحيح من الزائف، والنافع من الضار، والمعرفة من الضجيج.
وهنا يتجلى أحد أعظم أدوار المعلم: أن يعلم الطالب كيف يفكر، لا ماذا يفكر فقط؛ كيف يتحقق، لا كيف يحفظ فقط؛ وكيف يسأل ويحلل ويستنتج بدل أن ينتظر الإجابة الجاهزة.
فالتعليم الحقيقي لا يصنع عقلًا يخاف السؤال، بل عقلًا يملك شجاعة السؤال.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد هذه المسؤولية وضوحًا. فالآلة تستطيع أن تقدم إجابة سريعة، لكنها لا تستطيع أن تقرر وحدها ما إذا كانت الإجابة صحيحة أو أخلاقية أو مناسبة للسياق. ولذلك لا ينبغي أن ينافس المعلم التكنولوجيا في سرعة تقديم المعلومات، بل أن يعلم الإنسان كيف يستخدم التكنولوجيا دون أن يفقد استقلاله الفكري وإنسانيته.
فالمستقبل لن يكون لمن يعرف استخدام الأدوات فقط، بل لمن يعرف متى يستخدمها، ولماذا، وكيف.
لكن أعظم ما يميز المعلم ليس قدرته على تقديم المعلومة، بل قدرته على رؤية الإنسان الذي يقف خلفها.
قد يرى في الطالب المتعثر موهبة لم يكتشفها أحد، وفي الخجول صوتًا يحتاج إلى مساحة آمنة، وفي الفاشل إنسانًا يحتاج إلى فرصة جديدة. وقد تكون كلمة واحدة منه بداية طريق كامل:
أنت تستطيع.
قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها في قلب طالب محبط قد تصبح نقطة تحول؛ لأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يعطيه الحل، بل إلى من يؤمن بأنه قادر على الوصول إليه.
وهنا يصبح التعليم صناعة للأمل.
فالطالب ليس رقمًا في كشف العلامات، ولا نتيجة في اختبار، بل إنسان له قصة وقدرات ومخاوف وأحلام. والمعلم الذي يفهم ذلك لا يقيس نجاحه فقط بما حفظه الطالب، وإنما بما أصبح عليه: هل صار أكثر وعيًا؟ أكثر مسؤولية؟ أكثر قدرة على التفكير؟ أكثر احترامًا للآخر؟
ومن هنا فإن أثر المعلم لا يظهر كله في الامتحان.
قد يظهر بعد سنوات، حين يصبح الطالب أبًا فيربي أبناءه على قيمة تعلمها في المدرسة، أو مسؤولًا فيتخذ قرارًا عادلًا، أو إنسانًا يواجه أزمة فيتذكر أن معلمه علمه ألا يستسلم.
وهكذا تخرج المدرسة من حدود جدرانها، لأن المجتمع الذي تبنيه المدرسة اليوم هو المجتمع الذي سيعيش فيه أبناؤنا غدًا.
ولهذا فإن التعليم قضية حضارية، لا مسؤولية المدرسة وحدها. وإذا أردنا تعليمًا قويًا، فعلينا أن نبني بيئة قوية للمعلم: تدريبًا مستمرًا، وأدوات مناسبة، وثقة واحترامًا، وفرصة للتطور، ومجالًا للمشاركة في صناعة القرار التربوي.
وفي المقابل، فإن المعلم مطالب بأن يحترم رسالته؛ أن يقرأ، ويتعلم، ويراجع ممارساته، ويعترف بخطئه، ويكون قدوة في العدل والانضباط. فالمعلم الذي يريد أن يصنع جيلًا متعلمًا لا يستطيع أن يتوقف هو عن التعلم.
قد تصبح الكتب رقمية، والصفوف افتراضية، وتدخل الروبوتات إلى المختبرات، وتتغير الامتحانات، لكن الطالب سيظل بحاجة إلى إنسان يقول له: أنا أؤمن بقدرتك على التعلم.
وهذه الجملة قد تكون أحيانًا أعمق أثرًا من ألف تقنية.
لأن التعليم ليس مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل طريق لفهم العالم وخدمة الإنسان. والنجاح ليس أن يتفوق الإنسان على الآخرين دائمًا، بل أن يتفوق على جهله وضعفه، وأن يجعل من معرفته قيمة نافعة لغيره.
ومن هنا فإن التعليم هو الرسالة التي لا تموت؛ لأن الإنسان لا يتوقف عن الحاجة إلى المعرفة، وكل جيل يحتاج إلى من يفتح أمامه أبواب المستقبل.
قد تتغير المناهج، وتختفي أدوات، وتظهر تقنيات لم نتخيلها، لكن أثر المعلم يستطيع أن يبقى في مكان لا تصل إليه السنوات: في الإنسان الذي علمه.
ففي عقل طالب قد تبدأ فكرة، وفي قلب آخر قد يولد حلم، وفي شخصية ثالث قد تستقر قيمة، وفي حياة رابع قد يبدأ طريق جديد.
وهكذا ينتقل الأثر:
من معلم إلى طالب،
ومن طالب إلى مجتمع،
ومن مجتمع إلى جيل،
ومن جيل إلى مستقبل.
تلك هي الرسالة التي لا تموت: أن نعلّم الإنسان كي يستطيع أن يبني نفسه، وينفع غيره، ويشارك في بناء العالم.
ولهذا، حين نريد أن نقيس قيمة التعليم، لا يكفي أن نسأل: كم طالبًا نجح؟
بل علينا أن نسأل السؤال الأعمق:
أيُّ إنسانٍ ساعدنا التعليم على أن نصنع؟
فإذا كانت الإجابة: إنسانًا أكثر علمًا، ووعيًا، وأخلاقًا، وثقةً، وقدرةً على العطاء؛ فقد أدركنا جوهر التعليم.
وقد تتغير مقاعد الدراسة، لكن رسالتها لا تتغير:
أن نصنع من المعرفة نورًا، ومن الإنسان أثرًا، ومن المستقبل أملًا.
