في فضاء التواصل الاجتماعي، قد يتحول منشور واحد إلى شرارة خلاف، وقد يصبح تعليق عابر بداية لسلسلة من الاتهامات والانقسامات التي تتجاوز حدود الشاشة لتترك آثارها في علاقات الناس ومواقفهم. وتزداد الخطورة حين يُنشر المحتوى بقصد استفزاز المشاعر واستدراج الردود، لا لمناقشة قضية أو البحث عن الحقيقة، فتتحول التعليقات من وسيلة للتعبير والحوار إلى أدوات للتجريح والتخوين وإثارة النعرات بين أبناء المجتمع الواحد. وهنا تبرز مسؤوليتنا في التمييز بين من يسعى إلى الإصلاح ومن يستثمر في الخلافات لتحقيق الشهرة أو زيادة التفاعل، ولو كان الثمن الإساءة إلى الآخرين والإضرار بتماسك المجتمع.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة أن بعض المنشورات تتغذى على غضب الناس؛ فتُطرح القضايا الحساسة بعبارات مستفزة، وتُنشر المعلومات المجتزأة، وتُعمَّم أخطاء الأفراد على جماعات بأكملها، ثم تُترك التعليقات لتتبادل الاتهامات وتؤجج الخلافات. ومع كل تعليق مسيء أو مشاركة غير مسؤولة، تتسع دائرة الانتشار، وكأن انقسام الناس إنجاز، وكأن كرامتهم ووحدة مجتمعهم ثمن مقبول لجذب المتابعين. وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي نضيفه إلى مجتمعنا حين نشارك في نشر الإساءة؟ وأي مصلحة وطنية تتحقق حين نسمح لمنشور مستفز أن يحول اختلافنا إلى عداوة؟
إن المجتمع الأردني بما يجمع أبناءه من روابط وطنية واجتماعية راسخة، أكبر من أن تُختزل وحدته في خلافات منصات التواصل الاجتماعي، وأغلى من أن تصبح علاقات أبنائه مادة للإثارة والتجاذب. فالاختلاف في الرأي لا ينتقص من الانتماء، والنقد المسؤول لا يهدد الوحدة الوطنية، لكن الخطر يبدأ حين يتحول النقد إلى تحريض، والحوار إلى تجريح، والاختلاف إلى محاولة لزرع الكراهية بين العشائر والمناطق والفئات الاجتماعية، أو الإساءة إلى الشعوب والدول الشقيقة والمجاورة. فموقف فرد لا يمثل شعباً بأكمله، وخلاف سياسي لا ينبغي أن يتحول إلى عداوة بين الشعوب. إن حماية العلاقات الإنسانية والوطنية تبدأ من رفض التعميم، والابتعاد عن الأحكام المتسرعة، والتعامل مع الوقائع بمسؤولية وإنصاف.
ومن هنا تأتي أهمية المسؤولية القانونية والأخلاقية في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فقد كفل الدستور الأردني في المادة (15) حرية الرأي والتعبير ضمن الحدود التي يقررها القانون، غير أن ممارسة هذا الحق لا تبرر الاعتداء على حقوق الآخرين أو التحريض على الكراهية. كما يتضمن قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 أحكاماً تتعلق بأفعال محددة تمس السلم المجتمعي أو تنطوي على التحريض والكراهية وفق شروط النصوص القانونية ذات الصلة. ومع ذلك لا يجوز اعتبار كل منشور مستفز أو كل رأي مخالف جريمة تلقائياً؛ إذ يتوقف التكييف القانوني على مضمون الفعل وظروفه ومدى انطباق النص عليه. فالقانون يحمي الحقوق والحريات ويحدد في الوقت ذاته المسؤولية عن الأفعال التي تستوفي أركان الجرائم المنصوص عليها.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون بالشتائم المضادة، ولا بتبادل الاتهامات، ولا بمحاولة إسكات كل رأي مخالف، بل تبدأ بوعي الفرد وقراره ألا يكون طرفاً في صناعة الفتنة. فصاحب المنشور المستفز يتحمل مسؤولية ما ينشره، والمعلّق مسؤول عن مضمون تعليقه، ومن يعيد نشر الشائعات أو المحتوى التحريضي دون تحقق قد يسهم في توسيع دائرة الضرر. لذلك لا تمنحوا المنشورات المسيئة مزيداً من الانتشار، ولا تجعلوا من تعليق غاضب حكماً على مجتمع كامل. ناقشوا الفكرة بالحجة، وصححوا المعلومة بالدليل، وتحققوا من الأخبار قبل تداولها، وأبلغوا عن المحتوى المخالف عبر الوسائل المتاحة، واتركوا للجهات المختصة تقدير المسؤولية القانونية وفق الأصول.
إن بناء الدولة وصون أمنها واستقرارها مسؤولية وطنية مشتركة، لا تنهض بها المؤسسات وحدها، بل تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع. فالمجتمع الواعي يدرك أن احترام الآخر لا يعني التنازل عن الرأي، وأن الاختلاف لا يبرر العداوة، وأن حرية التعبير تقترن بالمسؤولية عن الكلمة وأثرها. وكل خطاب يعزز التفاهم بين أبناء الوطن يسهم في ترسيخ وحدتهم الوطنية وتماسك نسيجهم الاجتماعي، وكل مبادرة تنشر الوعي وتواجه التحريض تدعم الثقة المتبادلة، وتعزز قدرة المجتمع على مواجهة التحديات ومواصلة مسيرة التقدم والازدهار.
لسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء، لكننا مطالبون بأن نختلف دون أن نهدم ما يجمعنا، وأن ندافع عن آرائنا دون المساس بكرامة الآخرين. فليس كل ما يثير التفاعل يخدم الوطن، وليس كل تعليق يستحق الرد، ولا كل استفزاز يستوجب الانجرار وراءه.
إياكم والانجرار وراء المنشورات التي تستدرجكم إلى الفتنة، واحذروا التعليقات التي تُشعل العداوة وتزرع الشكوك بين أبناء الوطن الواحد. تريّثوا قبل النشر، وتحققوا قبل التصديق، وفكروا في عواقب الكلمة قبل كتابتها، ولا تسمحوا لأحد بأن يجعل منكم وقوداً لخلافاته أو أدوات لتحقيق أهدافه على حساب وحدة المجتمع واستقراره.
حفظ الله الأردن آمناً مستقراً، وأدام بين أبنائه المحبة والتآخي، وجعل كلماتهم جسوراً للبناء وأصواتهم منابر للوعي والإصلاح، وحمى شعبنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأدام بين الأردن وأشقائه وجيرانه علاقات الاحترام وحسن الجوار.
