بقلم: إيمان هناندة
شكّل الأردن، على امتداد سنوات الأزمة السورية، نموذجًا في احتضان الأشقاء السوريين وتقديم الدعم الإنساني لهم، انطلاقًا من الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمع الشعبين، والإيمان بأن أمن سوريا واستقرارها يشكلان جزءًا أساسيًا من أمن المنطقة غير أن التحديات الأمنية المتصاعدة، ولا سيما نشاط التنظيمات الإرهابية في جنوب سوريا وتهريب المخدرات عبر الحدود، تفرض اليوم مقاربة أكثر فاعلية لحماية الأردن ومساندة سوريا في استعادة الأمن وبسط سيادة الدولة على أراضيها.
ومنذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، استقبل الأردن نحو 1.3 مليون سوري، وأتاح لهم الاستفادة من خدمات الصحة والتعليم، والعيش في المجتمعات المحلية، والانخراط في سوق العمل وفق الأطر الناظمة. ولم تكن هذه الاستضافة مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل تعبيرًا عن علاقات الأخوة والقربى والتداخل الاجتماعي بين الشعبين، إذ تقاسم الأردنيون والسوريون ظروف الحياة وتحدياتها، رغم الضغوط الاقتصادية التي فرضتها الأزمة على الموارد والخدمات والبنية التحتية في المملكة
وعلى هذا الأساس، فإن دعم الأردن لسوريا لا ينفصل عن رؤيته لمستقبل المنطقة؛ فالمملكة تؤكد أهمية وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها، وتدعم جهود إعادة بنائها وتعزيز مؤسساتها الوطنية، بما يمكّنها من توفير الأمن لجميع مواطنيها كما أن استقرار الجنوب السوري تحديدًا يمثل أولوية مشتركة، بحكم الجوار الجغرافي والامتداد الحدودي، وما يترتب على الاضطرابات هناك من تداعيات مباشرة على أمن البلدين.
لكن في مقابل هذا الدعم، واجه الأردن تحديات أمنية خطيرة، تمثلت في محاولات تهريب المخدرات والأسلحة، إلى جانب التهديدات المرتبطة بجماعات متطرفة ومسلحة تنشط في مناطق من الجنوب السوري ولا تقتصر خطورة هذه الأنشطة على اختراق الحدود، بل تمتد إلى استهداف الشباب والمجتمع الأردني بآفة المخدرات، وما تخلّفه من آثار اجتماعية وأمنية وصحية. ومن ثم، فإن مواجهة هذه الشبكات ليست شأنًا أردنيًا منفردًا، بل مسؤولية مشتركة تتطلب تعاونًا فعليًا وتنسيقًا أمنيًا مستمرًا.
وجاء الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مشيعين في قرية حمود بمحافظة الكرك، وأسفر عن استشهاد تسعة أردنيين وإصابة آخرين، ليؤكد خطورة التهديدات التي تواجه المملكة. وأعلنت القوات المسلحة الأردنية تنفيذ عملية جوية استهدفت مواقع قالت إنها تعود لتنظيمات إرهابية في جنوب سوريا، موضحة أن منفذي الاعتداء يرتبطون بهذه التنظيمات
ومن منظور سياسي، يمكن قراءة العملية في إطار سعي الأردن إلى ردع الجماعات التي تهدد أمنه، ومنع تحول مناطق الجنوب السوري إلى بؤر تنطلق منها الاعتداءات والأنشطة غير المشروعة. كما يمكن النظر إلى إنهاء نفوذ التنظيمات الإرهابية بوصفه عاملًا مساعدًا للدولة السورية على استعادة سيطرتها وتعزيز حضور مؤسساتها، شريطة أن تقترن الإجراءات الأمنية بالتنسيق الفعلي واحترام السيادة وحماية المدنيين.
إن الرسالة الأساسية التي يحملها الموقف الأردني هي أن دعم سوريا واستقرارها لا يتعارض مع حق الأردن في حماية أمنه ومواطنيه، بل إن المسارين يكمل أحدهما الآخر. فالعلاقات الأخوية بين الشعبين تقتضي الوقوف ضد التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمنهما معًا، والعمل على تجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، ومكافحة التهريب، وتعزيز سلطة القانون.
وفي المحصلة، فإن مستقبل العلاقة الأردنية السورية يتطلب الانتقال من التضامن التاريخي إلى شراكة عملية في الأمن والتنمية وإعادة الإعمار. فسوريا المستقرة والقادرة على حماية حدودها تمثل مصلحة استراتيجية للأردن، والأردن الآمن يشكل سندًا لجاره السوري. وبين هاتين المصلحتين، تبقى مواجهة الإرهاب مسؤولية مشتركة، لا تكتمل فاعليتها إلا بالتنسيق والثقة واحترام سيادة الدول وحماية حياة المواطنين.
