الرئيسية / مقالات
مقالات

معركة الوعي في مواجهة التطرف الرقمي بقلم: ماهر البطوش

معركة الوعي في مواجهة التطرف الرقمي بقلم: ماهر البطوش

 

قد يكون أخطر ما يواجه المجتمع اليوم فكرة تتسلل إلى عقل شابّ عبر شاشة هاتفه، فتغيّر نظرته إلى الحياة والناس والوطن، وتعيد تشكيل قناعاته بعيداً عن أعين أسرته ومعلّميه ومحيطه الاجتماعي. وتبدأ الحكاية أحياناً بمقطع عابر، أو حساب مجهول، أو حديث يستثير المشاعر باسم الدين، ثم تتدرج إلى خطاب يزرع الكراهية، ويغذّي التعصب، ويبرر العنف، حتى يصبح التطرف في نظر صاحبه عقيدة يدافع عنها، ويصبح الاعتداء على الآخرين فعلاً يظن أنه يؤجر عليه. وهنا تكمن الكارثة: حين يُختطف العقل قبل أن يتحرك الجسد، وتُشوَّه الحقيقة قبل أن تقع الجريمة.

لقد منحت التكنولوجيا العالم أبواباً واسعة للعلم والتواصل، لكنها أتاحت أيضاً لأصحاب الفكر المتطرف وسائل سريعة وخفية لاستهداف العقول، واستغلال لحظات الضعف والاضطراب والشعور بالوحدة، وتجنيد الأفراد عبر منصات التواصل والمجموعات المغلقة والمحتوى الموجَّه. وقد لا يأتي الاستقطاب بوجه مخيف منذ البداية؛ بل قد يتخفّى خلف مواعظ منتقاة، وشعارات دينية، وادعاءات الدفاع عن العقيدة، قبل أن يكشف عن حقيقته القائمة على الإقصاء والتحريض وتكفير الآخرين وتبرير الاعتداء عليهم.

ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نستهين بالفكرة المتطرفة ما دامت حبيسة شاشة، أو نعتقد أن أبناءنا بمنأى عن التأثر بها. فالعالم الرقمي لا يعرف حدود البيوت، وقد يصل إلى أبنائنا في غرفهم وبين أيدينا، بينما نظن أنهم يتصفحون محتوى عادياً. ولذلك فإن حماية الأسرة اليوم لم تعد تقتصر على توفير احتياجات الأبناء، بل أصبحت تشمل حماية وعيهم، ومتابعة ما يتعرضون له، وبناء قدرتهم على التمييز بين المعرفة والتضليل، وبين التدين الواعي والخطاب الذي يتخذ الدين ستاراً لأهدافه المنحرفة.

إلى كل أب وأم: لا تنتظروا حتى تتحول الفكرة إلى سلوك، ولا تتركوا أبناءكم يبحثون وحدهم عن إجابات لأسئلتهم في فضاء رقمي قد يستغل حيرتهم لاستدراجهم. افتحوا أبواب الحوار، واستمعوا إليهم، وناقشوهم دون سخرية أو تخويف، وانتبهوا إلى التغيرات الحادة في أفكارهم وسلوكهم، خصوصاً عندما تقترن بتبرير العنف أو تمجيد الجماعات المتطرفة أو تبني خطاب الكراهية. فالمطلوب ليس زرع الشك في الأبناء، بل بناء الثقة معهم، ومساعدتهم على التفكير والتحقق، وطلب المساندة المتخصصة عند ظهور مؤشرات مقلقة.

وإلى المدارس والجامعات، فإن مسؤوليتكم تتجاوز نقل المعرفة إلى بناء الإنسان القادر على التفكير النقدي، وفهم النصوص في سياقاتها، ومناقشة الأفكار بالحجة، واحترام الاختلاف. فالعقل الذي يتسلح بالعلم والوعي أقل قابلية للوقوع في فخ التضليل، والشاب الذي يجد في مؤسساته التعليمية مساحة للحوار والمعرفة لا يضطر إلى البحث عن هويته وإجاباته لدى أصحاب الخطابات المتشددة.

وتتطلب مواجهة التطرف الرقمي تعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة ومختلف مكونات المجتمع، من خلال تطوير أساليب العمل الوقائي، ومواكبة التحولات المتسارعة في وسائل التواصل والتقنيات الحديثة، وتكثيف الجهود الرامية إلى كشف الخطابات المتطرفة وتفنيد مضامينها بالفكر والمعرفة. كما أن ترسيخ الوعي القانوني والرقمي، وتوفير قنوات فاعلة للتبليغ عن المحتوى الذي ينطوي على تهديد أو تحريض مجرّم، وتفعيل البرامج التربوية والتوعوية، تمثل ركائز أساسية في بناء بيئة مجتمعية أكثر قدرة على مواجهة الاستقطاب. وبهذا التكامل بين الوقاية والتوعية والتطبيق السليم للقانون، تتعزز حماية الأفراد وتُصان سلامة المجتمع، ويترسخ الأمن والاستقرار في إطار من المسؤولية واحترام الحقوق والحريات.

إن الدفاع عن جوهر الإسلام وقيمه الحقيقية يقتضي التأكيد أن ديننا الحنيف يقوم على الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان وحماية النفس البشرية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ومن هذا المنطلق، فإن توظيف النصوص الدينية لتبرير الكراهية أو التحريض على العنف أو استباحة دماء الأبرياء يمثل انحرافاً عن مقاصد الشريعة وإساءةً إلى رسالة الإسلام. وتستوجب مواجهة هذا الفكر تصحيح المفاهيم المغلوطة، وتفنيد الشبهات بالحجة والدليل، وتعزيز الوعي الديني المستند إلى مصادر موثوقة، وتحصين الشباب من الخطابات المضللة التي تتخذ من الدين وسيلة لاستقطابهم ودفعهم نحو التطرف والإرهاب.

إن القضاء على التطرف يبدأ من الفكر، ويترسخ بالتوعية والتثقيف، وتدعمه أسرة واعية، ومدرسة مسؤولة، وجامعة مستنيرة، ومؤسسات دولة يقظة، ومجتمع يرفض الصمت أمام التحريض. فالكلمة الواعية قد تنقذ عقلاً، والحوار الصادق قد يمنع انحرافاً، والتدخل المسؤول في الوقت المناسب قد يحمي أسرة ووطناً.

رسالتي الأخيرة لكل أب وأم ومربٍّ ومسؤول: اقتربوا من أبنائكم، حصّنوا عقولهم بالعلم، واملؤوا حياتهم بالثقة والانتماء، وعلّموهم أن قوة الإيمان لا تكون بكراهية الناس، وأن الاختلاف لا يبيح الاعتداء، وأن كل خطاب يطلب منهم تعطيل عقولهم أو تبرير العنف يستحق التوقف والمراجعة. راقبوا بوعي، وحاوروا بحكمة، ووجّهوا برفق، وأبلغوا الجهات المختصة عند وجود خطر حقيقي. فحماية العقول مسؤولية الجميع، والوطن الذي نحمي حدوده بأيدينا، نحمي مستقبله أيضاً بوعينا.

مقالات ذات صلة