الرئيسية / مقالات
مقالات

ماذا نفعل بعد الاستنكار ؟

ماذا نفعل بعد الاستنكار ؟

بقلم: إيمان هناندة 

 

ليست كل الحوادث المؤلمة مجرد أخبار تنتهي بانتهاء التغطية؛ فبعضها يترك أسئلة تتجاوز لحظة وقوعه، ويضع المجتمع أمام مسؤولية مراجعة ما يحمي تماسكه وثقته بنفسه.

وما شهدته الكرك في ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ لا يقتصر على جريمة أدمت القلوب، بل يفتح بابًا للتفكير في معنى الأمن المجتمعي، وفي الدور الذي يؤديه كل فرد ومؤسسة في صونه.

لا يقتصر مفهوم الأمن على ملاحقة مرتكبي الجرائم وتطبيق القانون، على أهمية ذلك، بل يمتد إلى حماية حق الإنسان في الحياة والعبادة، وصون كرامته، وضمان شعوره بأنه جزء من مجتمع يحميه ولا يتركه وحيدًا في لحظات الخوف.

ومن هنا، فإن مسؤولية المؤسسات لا تنتهي بالاستجابة للحادثة، بل تشمل إظهار الحقيقة وفق الإجراءات القانونية، ومحاسبة المسؤولين عنها، واستخلاص الدروس التي تسهم في حماية المواطنين ومنع تكرار المآسي.

الإنسان قبل الرواية

في أوقات الأزمات، قد تنشغل التغطية بتفاصيل الحدث وسرعة نقل مستجداته، بينما يبقى الإنسان المتضرر هو القضية الأهم. فالضحايا ليسوا أرقامًا في حصيلة، وعائلاتهم ليست تفصيلًا عابرًا في الخبر؛ إنهم أصحاب حق في الكرامة والخصوصية، وفي أن يُنقل ما جرى دون استغلال آلامهم أو تحويل معاناتهم إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.

وهنا تظهر قيمة الإعلام المسؤول، الذي لا يكتفي بنقل ما حدث، بل يضع الإنسان وحقوقه في مقدمة اهتمامه، ويوازن بين حق الجمهور في المعرفة وضرورة احترام الضحايا وسلامة الإجراءات القانونية. إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إدانة العنف، بل في الحفاظ على الثقة بين أبناء المجتمع بعد الصدمة، وتحويل التضامن إلى ممارسة يومية تقوم على احترام الاختلاف والاحتكام إلى القانون، ورفض التعميم، وعدم السماح لجريمة ارتكبها أفراد بأن تتحول إلى حكم على جماعة بأكملها.

فالمجتمع المتماسك ليس مجتمعًا لا يمر بالأزمات، بل مجتمع يمتلك من الوعي والمؤسسات والروابط الإنسانية ما يساعده على مواجهة آثارها دون أن يفقد ثقته بنفسه أو بأبنائه.

وفي الكرك، كما في سائر الأردن، تبقى كرامة الإنسان وأمنه أساسًا لا ينفصل عن أمن الوطن واستقراره.

ليست العبرة بعدد المواقف التي أُعلنت في لحظة الألم، بل بما يتحول منها إلى عمل يحمي الإنسان، ويصون العدالة، ويعزز الثقة بين أبناء الوطن. فالجريمة قد تترك جرحًا، لكن مسؤوليتنا الوطنية تبدأ في ألّا نسمح لهذا الجرح بأن يتحول إلى شرخ في المجتمع.

مقالات ذات صلة