بقلم: عمر الدريني
في اللحظات التي يثقل فيها القلق على البيوت، لا يسأل الناس عن عدد الشعارات التي رُفعت باسم الوطن، بل عن الشيء الذي يستطيعون الاتكاء عليه حين تضطرب مشاعرهم: هل ما زالوا قادرين على الثقة ببعضهم؟ وهل تستطيع الكلمة الطيبة أن تجد مكانًا وسط سيل الأخبار والانفعالات؟ وهل يتذكر الجميع، حين يشتد الخوف، أن ما يجمع الأردنيين أكبر من كل محاولة لدفعهم إلى الشك المتبادل؟
تلك هي اللحظة التي تظهر فيها حقيقة الوحدة الوطنية؛ لا في الصور الاحتفالية، ولا في الكلمات التي تُقال حين تكون الأمور هادئة، بل عندما يصبح التماسك ضرورة، ويغدو ضبط النفس موقفًا، ويحتاج المجتمع إلى من يخفف اضطرابه بدل أن يضاعفه.
أن يقف الأردنيون صفًا واحدًا لا يعني أن يتخلوا عن حقهم في السؤال، أو أن يتجاهلوا الوقائع المؤلمة، أو أن يساووا بين الخطأ والصواب، بل يعني أن يتفقوا على أن أمن الناس ليس مجالًا للمساومة، وأن الاعتداء لا يُبرر، وأن المسؤولية لا تُحدد بالعاطفة، وأن العدالة لا تكتمل بإدانة الأبرياء أو بالتسرع في إصدار الأحكام.
قد تختلف الآراء في تفسير الأحداث، وقد تتفاوت ردود الأفعال بين الخوف والغضب والحزن، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى باب للفرقة، فالمجتمع المتماسك لا يحتاج إلى أن يتفق أفراده على كل تفصيل كي يتفقوا على حماية وطنهم، يكفي أن يدركوا أن أمنهم مترابط، وأن الكلمة التي تزرع الشك في بيت قد تتجاوز جدرانه، وأن الإساءة إلى فئة كاملة بسبب فعل فردي لا تعالج المشكلة، بل تضيف إليها ظلمًا جديدًا.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث بعد أي واقعة مؤلمة أن تتجاوز آثارها حدودها، فتنتقل من مكانها إلى أذهان الناس، ومن خبر يتطلب التثبت إلى روايات متضاربة، ثم إلى أحكام تُبنى على الانطباع لا على الحقيقة، عندها تصبح مسؤولية المواطن مضاعفة: أن يرفض الفعل المؤذي، وأن يرفض كذلك أن تتحول مشاعر الغضب إلى أداة لإيذاء آخرين لا علاقة لهم بما حدث.
إن الوقوف صفًا واحدًا يبدأ من موقف بسيط لكنه حاسم: لا ننشر ما لا نعرف صحته، ولا نشارك في التحريض، ولا نسمح للعبارات الجارحة بأن تصبح لغة النقاش العام، يبدأ من أن نسأل قبل أن نتهم، ونتثبت قبل أن نحكم، ونحفظ للناس كرامتهم حتى حين نختلف معهم، فليس كل صمت حكمة، وليس كل غضب شجاعة، وليس كل ما ينتشر بين الناس حقيقة تستحق أن تُبنى عليها المواقف.
وفي هذه المسؤولية، لا يقف المواطن بعيدًا عن مؤسسات الدولة، ولا تُعفى المؤسسات من واجبها تجاه المواطن، فالعلاقة السليمة تقوم على التكامل: مؤسسات تؤدي واجباتها وفق القانون، ومجتمع يتعاون معها بمسؤولية، وإعلام يلتزم الدقة، وأفراد يضعون المصلحة العامة فوق رغبتهم في السبق أو الانتقام أو تصفية الحسابات، فالثقة لا تنشأ من مطالبة طرف واحد بالواجب، بل من شعور الجميع بأنهم شركاء في حماية المصلحة العامة.
وللأردنيين في تفاصيل حياتهم اليومية ما يجعل الوحدة أكثر من فكرة مجردة، في المدرسة التي تجمع أبناء العائلات المختلفة، وفي مكان العمل الذي تتكامل فيه الخبرات، وفي الحي الذي يتبادل سكانه المساعدة، يتعلم الناس أن الحياة المشتركة لا تستقيم إذا جعل كل فرد من اختلافه سببًا للابتعاد عن الآخرين، وهذه الروابط لا ينبغي أن تُستحضر في المناسبات وحدها؛ إنها رصيد اجتماعي يجب حمايته كلما واجه المجتمع اختبارًا جديدًا.
ولأن الأجيال القادمة تراقب ما نفعله أكثر مما تحفظ ما نقوله، فإن مسؤوليتنا أن نترك لها نموذجًا عمليًا للانتماء، نعلمها أن حب الوطن لا يتطلب كراهية أحد، وأن الحزم لا يتعارض مع الإنصاف، وأن احترام القانون ليس ضعفًا، وأن الدفاع عن المجتمع لا يكون بإشعال الغضب داخله، فالوطنية التي لا تحمي الإنسان من الظلم تحتاج إلى مراجعة، والوحدة التي لا تتسع للعدل تظل شعارًا ناقصًا.
لسنا بحاجة إلى إنكار مخاوفنا كي نكون أقوياء، ولا إلى إخفاء ألم المتضررين كي نحافظ على التماسك، نستطيع أن نحزن ونطالب بالحق، وأن نثق بأهمية الإجراءات القانونية، وأن نرفض الاعتداء والتحريض في الوقت نفسه، هذه ليست مواقف متناقضة؛ بل هي علامات مجتمع يعرف أن أمنه لا ينفصل عن عدالته، وأن استقراره لا يُبنى على الخوف من الكلام، بل على مسؤولية الكلمة والفعل.
حين يقف الأردنيون صفًا واحدًا، لا يصبحون نسخة واحدة، بل يصبحون مجتمعًا يعرف ما الذي لا يجوز أن يخسره مهما اختلفت مواقفه: أمن الإنسان، وكرامته، وعدالة القانون، والثقة التي تسمح للجميع بالعيش تحت سقف وطن واحد.
إن أقوى صفٍّ يقف فيه الأردنيون ليس صفًا تُلغى فيه الاختلافات، بل صفٌّ تتقدم فيه المصلحة الوطنية، ويتراجع فيه التحريض، ويعلو فيه صوت القانون، ويعرف فيه كل فرد أن حماية الأردن تبدأ من حماية الإنسان الذي يعيش فيه.
