لم تكن حادثة استشهاد العريف جواد السلايطة أثناء أداء واجبه الرسمي مجرد اعتداء على أحد أفراد الأجهزة الأمنية، بل كان اعتداء على أمن أبناء الوطن كافة؛ لأن الواقعة جعلتنا نعيد قراءة المشهد العام ونجدد الوقوف أمام مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية والقانونية.
هذه الحادثة التي جاءت بعد أيام قليلة من خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين أمام مجلس الأمة والذي أكد فيه أن قوة الدولة تنبع من تماسك الشعب ووعيه وحكمته، وأن سيادة القانون وهيبة الدولة يسموان على أي شيء، ولعل مضامين الخطاب تقودنا للنقطة الجوهرية ألا وهي مسؤولية المجتمع والذي يعد شريكا في حماية الأمن والاستقرار ، ولأن قوة الشعب الأردني تكمن في تماسكه ووحدته وتعاضده جاء موقف الملازم فراس العنانزة الذي جسد أبهى صور البسالة حين تدخل لمواجهة المعتدي دون أن يتردد فتمكن من تحييد المجرم ومنعه من الاعتداء على من كان متواجدا من المدنيين، ولعل تدخله لم يكن انعكاسا للواجب فحسب بل كان انعكاسا لقيمة - الفزعة - والتي هي من القيم التي يتميز بها أبناء الأردن النشامى، ومن زاوية قانونية فإن هذه القيمة اعتبرها المشرع دفاعا مشروعا إذا توافرت شروطه، حيث لم يحصر المشرع الأردني حق الدفاع في حماية النفس فقط، بل امتد ليشمل الدفاع عن الغير إذا قضت ضرورة حالية لدفع تعرض غير محق ولا مثار عن النفس أو المال أو نفس الغير أو ماله.
فحماية حياة الإنسان ليست شأنا فرديا بل إن القانون يجيز التدخل لحماية حقوق الآخرين في حال توافر شروط الدفاع المشروع.
ولعل أبرز ما يتم تداوله بعد الحادثة المؤلمة تساؤل اجتماعي وأخلاقي: لماذا لم يتدخل الآخرون ممن كانوا متواجدين في موقع الحدث لإنقاذ العريف؟ أين ذهبت - الفزعة -؟
إن الإجابة على هذا التساؤل تعتمد على ظروف الواقعة؛ فليس كل من كان متواجدا شاهد الواقعة وامتنع عن التدخل!
لا بد من معرفة الوقائع والظروف المحيطة ومدى قدرة الموجودين على التدخل دون تعرضهم للخطر، فقد يكون عنصر المفاجأة أو سرعة وقوع الاعتداء أو الخوف، من العوامل التي حالت دون تدخل الحاضرين، وبالرغم من هذا وذاك فإن الحادثة تفرض علينا جميعا مراجعة قيمنا الثقافية ومضمون المسؤولية المجتمعية التي نشأنا عليها، فقوة المجتمع لا تقاس بقدرته على إدانة الجريمة واستنكارها بعد وقوعها بل بمدى قدرته على مواجهة الأفكار المتطرفة التي من شأنها نشر ثقافة العنف والاعتداء والإرهاب، فالمسؤولية المجتمعية المنشودة لا تعني أن يتحول كل مواطن إلى رجل أمن بل أن يدرك كل شخص أنه شريك في حماية المجتمع حتى لا نسمح بنشر ثقافة الفردية أو الخوف بل يجب أن نحافظ على قيم النخوة والانتماء.
إن خبر استشهاد العريف الشاب جواد السلايطة أرق جفون الأردنيين جميعا فهو خسارة وطنية و إنسانية لا تعوض ولا تقدر بثمن، كما أن موقف البطل فراس العنانزة جاء بمثابة رسالة واضحة للعالم أجمع تؤكد أن قيم الشجاعة والمسؤولية لا تزال حاضرة بين أبناء أردننا الحبيب.
وما بين الفاجعة والفزعة تكمن مشؤوليتنا جميعاً في ترسيخ قيم المواطنة الفاعلة، فالوطن الذي نريد الحفاظ على أمنه واستقراره هو الوطن الذي يحترم سيادة القانون ويصون كرامة الإنسان، فسيادة القانون ضمانة والفزعة قيمة، وما بينهما يكمن الأمن والاستقرار.
إلى جنان الخلد يا جواد، يا من جدت بدمائك لتذود عن أبناء وطنك.
لله درك يا أبا جواد فقد كنت شامخا صامدا تعكس صورة الأردني النشمي الشامخ العصي على كل معتد غاشم ، جرحك الذي ينزف بصمت هو جرح الأردنيين جميعا ولن يبرأ حتى يتم الاقتصاص من كل من تسول له نفسه المساس بأمن الوطن.
