بقلم:عمر الدريني
حين يسود الغضب، تبدو العقوبة السريعة لكثيرين وكأنها الدليل الأوضح على أن العدالة أخذت مجراها، غير أن العدالة لا تُقاس بسرعة صدور الحكم، ولا بمدى توافقه مع رغبة الشارع في لحظة انفعال؛ إنما بقدرة الدولة على كشف الحقيقة، وتحديد المسؤولية، وإنزال الجزاء الذي يستحقه من تثبت إدانته وفق القانون، فالتسرع قد يوقع الظلم بمن لا ذنب له، والتأخر غير المبرر قد يترك أسئلة الناس معلقة ويضعف ثقتهم بالمؤسسات.
والاعتداء الذي أودى بحياة أحد مرتبات الأمن العام شهيد الواجب العريف جواد السلايطة رحمه الله أثناء أداء واجبه حادثة بالغة الخطورة، تستوجب تحقيقًا جادًا ومحاسبة لا تتهاون مع أي مسؤولية تثبتها الأدلة، لكن جدية التعامل معها لا تعني استباق نتائج التحقيق، أو تحويل الغضب المشروع إلى أحكام تصدر قبل اكتمال الإجراءات، ومن حق المجتمع أن يعرف ما جرى بالقدر الذي تسمح به سلامة التحقيق، كما أن من واجب الجهات المختصة حماية الأدلة والإجراءات من أي تأثير قد يعيق الوصول إلى الحقيقة، وبين الحق في المعرفة ومتطلبات التحقيق مساحة ينبغي أن تُدار بمهنية ووضوح، لا بالصمت المربك ولا بالنشر المتعجل.
وتظهر قوة الدولة على نحو أكثر وضوحًا حين تكون القضية حساسة، وحين ترتفع الأصوات المطالبة بالحسم، ففي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن تؤكد المؤسسات أنها ستطبق القانون؛ الأهم أن يرى الناس أن القانون هو الذي يقود الإجراءات بالفعل، فالمتهم لا يفقد حقوقه لمجرد توجيه الاتهام إليه، والضحية لا يسقط حقها في الإنصاف، والمجتمع لا يفقد حقه في الحماية ومعرفة ما يمكن إعلانه، وهذه الحقوق ليست عوائق أمام العدالة، بل ضمانات تمنع انحرافها وتحفظ شرعيتها.
ومن الضروري هنا أن نفهم أن المحاسبة ليست مسارًا واحدًا، فالمسؤولية الجنائية يحددها القضاء استنادًا إلى الأدلة والإجراءات القانونية، والمسؤولية الإدارية تُبحث وفق الأنظمة والتعليمات وما قد تكشفه الوقائع من تقصير وظيفي، أما المراجعة المؤسسية فتنظر في كفاءة الإجراءات ومدى الحاجة إلى تعديلها أو تطويرها لمنع تكرار الخلل، لكل مسار اختصاصه وأدواته ونتائجه، ولا يجوز أن يُستخدم أحدها بديلًا عن الآخر، أو ذريعة لإغلاق ملف لا يزال يحتاج إلى بحث.
ولا ينبغي أن تنتهي المحاسبة عند تحديد مسؤولية فرد إذا أظهرت نتائج التحقيق وجود خلل مؤسسي يستدعي المعالجة، وفي المقابل، لا يصح تحميل مؤسسة بأكملها أو العاملين فيها مسؤولية افتراضية لمجرد وقوع حادثة مؤلمة، الإنصاف يقتضي أن تُنسب المسؤولية إلى من تثبت مسؤوليته، وأن تُعالج أوجه القصور حيثما ظهرت، وأن تُحمى سمعة العاملين الذين أدوا واجبهم دون تقصير، فالمحاسبة الدقيقة لا تبحث عن متهم بأي ثمن؛ إنها تبحث عن الحقيقة كاملة، مهما كانت نتائجها.
كذلك، فإن حماية المجال العام من التحريض والتشهير لا تعني التضييق على النقد أو منع الأسئلة المشروعة، للمواطن حق في التعبير عن رأيه، ومناقشة أداء المؤسسات، والمطالبة بالتوضيح والمساءلة، لكن هذا الحق لا يبرر نشر اتهامات بلا سند، أو التحريض على أشخاص وجماعات، أو تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات لإصدار الأحكام، وهنا تقع على الإعلام مسؤولية مهنية واضحة: التحقق من المعلومات، والتمييز بين الخبر والرأي، وعدم تقديم التوقعات باعتبارها حقائق، واحترام حق الأطراف في الرد.
كما أن الشفافية لا تعني كشف كل تفاصيل التحقيق، مثلما أن سرية بعض الإجراءات لا تعني ترك المجتمع أمام فراغ من المعلومات، يستطيع الخطاب الرسمي أن يوضح ما تم إنجازه، وما يمكن إعلانه، وما تقتضيه سلامة التحقيق من عدم نشره في هذه المرحلة، فالتواصل المسؤول لا يضر بالعدالة، بل يساعد على الحد من الشائعات، ويمنح الناس فهمًا واقعيًا لما يجري دون التأثير في مسار القضية.
إن المجتمع لا ينتظر عقوبة تُعلن لإرضاء الغضب، ولا صمتًا يطيل مساحة التكهنات، ما ينتظره هو تحقيق يصل إلى الحقيقة، وإجراءات تحفظ الحقوق، ونتائج تعلن في وقتها، ومحاسبة تطال كل من تثبت مسؤوليته دون انتقائية أو تعميم، وعندما تكشف الوقائع عن خلل، فإن تصحيحه واجب لا يقل أهمية عن تحديد المسؤولية الفردية؛ لأن العدالة لا تكتمل بمعالجة ما وقع فحسب، وإنما بما يمنع تكراره أيضًا.
الدولة القوية هي التي لا تحتاج إلى الانتقام كي تثبت هيبتها، ولا إلى التهاون كي تحمي الحقوق؛ تحاسب من تثبت مسؤوليته، وتنصف من وقع عليه الظلم، وتترك للحقيقة أن تقود الحكم، فحين يكون القانون حاضرًا في لحظة الغضب كما يكون حاضرًا في الأيام العادية، تصبح هيبة الدولة أكثر رسوخًا وثقة الناس أكثر استقرارًا.
رحم الله شهيد الواجب العريف جواد السلايطة وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان
