الرئيسية / مقالات
مقالات

اللّغة ومعايير ضبط الأحلام

اللّغة ومعايير ضبط الأحلام

د  . راشد الشاشاني


 

هل ينبغي للمتكلّم أن يكون فصيحاً ؟


 

ربّما يبدو السؤال مستهجناً ، أو بدهيّة إجابته : بنعم .

  ما نريد إبرازه هنا هو دور اللغة ؛ التي تعاظمت الآراء على اعتبارها كذلك ، ربّما وجدنا في بعض تساؤلاتنا مدخلا لحديثنا ، هذه التساؤلات لا تنطلق من فكرة صاحب المعيار في تحديد ما يعدّ فصيحا من غيره ، بل في أصل الحاجة إلى وجود هذا المعيار .


 

أصل الحاجة هذا ؛ قد يجد طريقاً غير الإهتمام باللغة ، نعتقد أنّ الحاجة إلى إثبات تفوٌّق ما ؛ قادت إلى " تأطير حدود النطق "  إلى الحد الذي يسلب أناساً مكانَةً ما ؛ في حين يمنحها لغيرهم ، هذه الحاجة لم تكن وليدة إحساس التفوّق في نظرنا ؛ الذي أراد واضعوه إثبات تميّزهم عن غيرهم ، وفقاً للحقّ الطبيعي للإنسان في حماية هذا التميّز ضد النيل منه ، أو دخول الغرباء عنه إليه وتمتّعهم بمزاياه .


 

لقد كانت حاجة " تأطير"  كهذا ؛ يبلغ فيها " مالك المعايير " رتبةً لا يمكنه بلوغها بالعمل ، نعم أراد هؤلاء " عديمو الإنتاج " أن يستولو على " مساحة الأهميّة " التي سبقهم إليها أولئك " المنتجون " بغض النظر عن طبيعة هذا الانتاج ، المنتجون لم يسبقوا هؤلاء فقط ، بل أضافوا حظراً عليهم بأن لا يلحقوا بهم ؛ على اعتبار أنّ اللحاق يعني كلفةً لا يمكن " للقاعدين " هؤلاء دفعها ،  لم يعد المطلوب منهم فعل ما يفعل " المنتجون " فهو لم يعد ذو معنى ، بل بات لزاماً عليهم كي " يحوزوا " ما يتمنّون أن يزيدوا فوق انتاج المنتجين ، وهو ما يستحيل لهم .


 

وفقاً لنظريّتنا : فإنّ الإغراق الذي ترونه في معظم ميادين الثقافة المعروفة ووسائل نقلها وانتشارها لم يكن حقيقيّا في زمانه ، فإذا قلنا أنّ أناسا عاشوا قبل ألاف السنين وقاسوا ما قاسوه من ألمِ الصحراءِ ، بردِها ، حرِّها ، قلّة المؤونة ، غلبة القهر ، بدائيّة وسائل العيش  ... الخ  . لا منازل ، لا ماء ، لا كهرباء ، لا سيارات ، لا تلفاز ، لا هواتف ، لا دولة ولا سلطة ، لا وظيفة ، لا مدارس ، لا كتابة بالمعنى الذي هي عليه اليوم ولا أوراق وأقلام  ، لا خصوصيّة .... كان كلّ شيء مكشوفا للآخرين ، بمعنى : انعدام فروقاتٍ تذكر بين أغلب الناس ، فهل كان هؤلاء يجهلون  مشقّة سبل عيشهم ، تأمين قوتهم  ، وحمايتهم من الغزو ، و ينشغلون بأي بالفرق بين العبارتين " ذينيك و أولئك " أو أيّهما أصّح " ذانك و ذينك " مثلاً .


 

إذا افترضنا صحّة اشتراك كلّ الناس في اللغة الفصحى التي نعرفها اليوم ؛ فكيف إذا كان التميّز بين بلاد وأخرى في النطق ؟


 

حتماً لم تكن كلّها تتحدّث بذات الطريقة ؛ وإلا لما تمايز أهل بلد عن غيرها ، والمعروف أنّ لغّة الناس اليوم هي تطوّرٌ صنَعَهُ امتداد السنين في أصول كلّ منها لا في أصل واحد .


 

يدفعنا هذا  إلى الحديث عن بعض مأثورات الأدب ، سنخصّ هنا معلقات الشعر الجاهليّة وما في صفّها من قصائد مديح السلاطين والحكام .


 

نحن نعتقد أن ابتعاد زمان تدوين هذه القطع عن زمان إنشائها ؛ يتيح مجالاً للتساؤل حول صحّة وجودها منسوبة لأصحابها ؟


 

كما يتيح لنا التساؤل حول صيغتها المعروفة حين مقارنتها بصيغتها الأصليّة ، فيما لو افترضنا أنّها قيلت في ذلك الزمان حقّا ؟


 

ألا يبدو صوغها في تعقيد كهذا متناغماً مع فكرتنا عن  " تأطير  معايير الفصحى " في إطار سعي الساعي لتثبيت مرتبة سامية ، سيّما مع عدم اهتمام الناس في معظمهم إثبات بساطة هذه القطع ؛ من خلال الإنشغال بصياغة مثيلاتها وترك عيشهم .


 

يمكننا تركيز تساؤلاتنا حول أهميّة لغة هذه القطع الأدبيّة في ظل بيئة يُفترض أنّها تتحدّث بلغتها وفقا لطبيعتها ، إذا ما الذي يميّز كلماتها ومحامل معانيها طالما كانت مستهلَكةً في سوق العامّة ؛ وفقا لافتراض أنّ الفصحى كانت لغة الجميع .


 

لقد امتدّت " شهوة الحضور بالرتبة " هذه الى عصرنا الحاضر ، فإذا أردنا أن نضرب مثالاً وجدنا ضالتنا فيما نشاهده على شاشة التلفاز من مسلسلاتٍ تعرض قصّةً تاريخيّةً ؛ وهي تلتزم إشاعة ضبط معايير " التأطير اللفظي " على كلّ أفراد القصّة ، بل وحتى أصحاب تلك الأدوار الهامشيّة ، فهل كان هؤلاء قديما يتحدّثون بذات النغمةِ والمصفوفةِ ؛ في وقتٍ تكرّسُ فيه القصّة التفاوت الكبير بينهم من حيث المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي  بل وحتى الشكلي ، الأمر لا يقتصر على التزامهم جميعاً هذه المعايير بل ما يظهر في أعمال شاشات التلفاز وغيرها ؛ كالمسرح مثلاً : أنّ هؤلاء يلتزمون صرامة هذه القيود اللسانيّة حتى في أشدّ حالات الغضب ، الدهشة ، الفرحة والمفاجاة ، وفي كل الأوقات والأماكن ، وهو أمر تُنكره الطبيعة .


 

لا يدعنا هذا  نختتم حديثنا قبل النظر من جهة أخرى ؛ تُستعمل فيها اللغة الفصحى في وقتنا هذا من أجل إثارة السخرية في مشاهد الكوميديا على امتداد أنواعها وأهدافها ، وهي توصل رسالتها " بالصعقة الإرتداديّة " بين المهيب وفقاً للراسخ من العقيدة في الأذهان ؛ برغم ما قُلناه ، وبين ما يريد صاحب الرسالة إيصاله ، بطريقةٍ يتهرّبُ فيها من مجابهة الخوف الحاضر ، قد يكون من سلطة ، مجتمع ، أصدقاء  وأحبّة ... الخ . .


 

هذا وغيره ؛ يسمح لنا  بتسليط الضوء على حقيقة الشخصيّات والأحداث  التاريخيّة ، وفكرة البطولات ذاتها ، فضلاً عن تفاصيلها ، ومعها قصص الجاذبيّة ، الجمال ، البطولة ، الكرم ، الشجاعة ، القوّة ، الزهد ، الإلتفاف حول شخص ما ، الرضا بحكم ما  .. الخ .

 

بعد هذه الشكوك كلّها نجيب باختصارٍ على سؤالنا : هل ينبغي للمتكلّم أن يكون فصيحاً ؟

 

  لا ينبغي للمتكلّم أن يكون فصيحاً ، يجب عليه أن يكون قد أنتج فعلاً  ما قال ، بمعنى أنّه قادر على أن يتحدّث عن إنجاز حقّقه فعلاً ، الإنجاز هنا يعني أنّه تجاوز ما صنَعَهُ غيره لا أن يتوقّف عنده ، دون الإستعانة في تقييم  هذا المنجز ومعه مُنجز الغير بمجاراة قصص الخيال .

مقالات ذات صلة