الرئيسية / مقالات
مقالات

من ازدحام شوارع فيلادلفيا إلى جنون التسوّق في العالم العربي... كيف وُلدت «البلاك فرايدي»؟

من ازدحام شوارع فيلادلفيا إلى جنون التسوّق في العالم العربي... كيف وُلدت «البلاك فرايدي»؟


بقلم: هبه ياسين

في كل عام، ومع اقتراب نهاية شهر تشرين الثاني، تتغير ملامح الأسواق التجارية، وتبدأ الإعلانات التي تملأ الشوارع وشاشات الهواتف بالترويج لتخفيضات قد تصل إلى نسب كبيرة. واجهات المحال تتزين بالعروض، والمتاجر الإلكترونية تستعد لاستقبال آلاف الطلبات، والمستهلكون يبدأون رحلة البحث عن أفضل الأسعار. إنها «البلاك فرايدي» أو الجمعة السوداء، المناسبة التي تحولت من يوم تسوق أمريكي إلى ظاهرة تجارية عالمية، وصلت إلى أسواقنا العربية وأصبحت جزءاً من موسم ينتظره كثيرون.

لكن خلف هذه التخفيضات والازدحامات قصة تاريخية قد لا يعرفها كثيرون؛ فكيف بدأت البلاك فرايدي؟ ولماذا سُمّيت بهذا الاسم؟ وكيف انتقلت من الولايات المتحدة الأمريكية إلى العالم العربي؟

من أزمة الذهب إلى ازدحام المتسوقين... حكاية الاسم

قد يبدو اسم «الجمعة السوداء» مرتبطاً منذ البداية بالتخفيضات التجارية، لكن الحقيقة مختلفة تماماً. ففي عام 1869، ارتبط المصطلح بأزمة مالية شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية، بعد محاولة مضاربة على أسعار الذهب أدت إلى اضطرابات حادة في الأسواق المالية.

أما ارتباط الاسم بالتسوق، فتعود جذوره إلى مدينة فيلادلفيا الأمريكية خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. ففي اليوم التالي لعيد الشكر، الذي يصادف الخميس الرابع من شهر تشرين الثاني، كانت المدينة تشهد ازدحاماً مرورياً كبيراً وتوافد أعداد ضخمة من المتسوقين والزوار، بالتزامن مع مباراة كرة القدم الأمريكية التقليدية بين الجيش والبحرية.

وأطلق رجال الشرطة في فيلادلفيا وصف «الجمعة السوداء» على ذلك اليوم بسبب الفوضى والازدحام وضغط العمل الذي كانوا يواجهونه.

ومع مرور الوقت، انتشر المصطلح، ولم يكن التجار في البداية سعداء بهذه التسمية، لأنها ارتبطت بالفوضى والازدحام. لكنهم نجحوا لاحقاً في تقديم تفسير تجاري أكثر إيجابية للاسم، يقوم على فكرة انتقال دفاتر حسابات المتاجر من اللون الأحمر الذي يرمز إلى الخسائر، إلى اللون الأسود الذي يرمز إلى الأرباح.

وهكذا، تحولت التسمية تدريجياً إلى رمز لموسم التخفيضات، خصوصاً منذ ثمانينيات القرن الماضي، قبل أن تنتشر الظاهرة على نطاق واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها.

كيف تحولت إلى موسم تسوق عالمي؟

لم تعد البلاك فرايدي مجرد يوم واحد يتسوق فيه الأمريكيون بعد عيد الشكر، بل تحولت مع تطور التجارة والإعلان والتكنولوجيا إلى موسم تجاري تتنافس فيه العلامات التجارية والمتاجر الكبرى.

وساهم انتشار الإنترنت والتجارة الإلكترونية في نقل هذه الظاهرة إلى دول مختلفة، إذ لم يعد المستهلك بحاجة إلى الوقوف أمام أبواب المتاجر أو الانتظار لساعات للحصول على عرض معين، بل أصبح بإمكانه مقارنة الأسعار وشراء المنتجات بضغطة زر.

كما تطورت المناسبة لتشمل أياماً متعددة، بل إن بعض المتاجر بدأت بإطلاق عروضها قبل موعد الجمعة السوداء بأسابيع، الأمر الذي جعلها موسماً تسويقياً يمتد لفترة أطول من يوم واحد.

من الجمعة السوداء إلى الجمعة البيضاء... كيف وصلت إلى منطقتنا؟

عندما وصلت الفكرة إلى الأسواق العربية، لم تنتقل بالاسم الأمريكي نفسه في جميع الأسواق، بل ظهرت بتسمية مختلفة هي «الجمعة البيضاء».

ومن أبرز المحطات في هذا التحول عام 2014، عندما أطلقت منصة «سوق.كوم» في المنطقة العربية حملة الجمعة البيضاء، مستوحاة من البلاك فرايدي الأمريكية، مع اختيار اللون الأبيض بدلاً من الأسود، مراعاةً لمكانة يوم الجمعة في الثقافة العربية والإسلامية.

ومن هنا بدأت الفكرة تأخذ طابعاً إقليمياً، وتوسعت حملات التسوق والعروض لتشمل دولاً عربية عديدة، ومنها الأردن، حيث أصبحت المحال التجارية والمتاجر الإلكترونية تستفيد من هذا الموسم للترويج لمنتجاتها وجذب المستهلكين.

وفي السوق الأردني، لم تعد العروض مقتصرة على الأجهزة الإلكترونية والملابس، بل امتدت إلى الأثاث والأدوات المنزلية ومستحضرات التجميل والعديد من المنتجات الأخرى، كما أصبحت المنصات الرقمية وسيلة أساسية لمتابعة التخفيضات والاستفادة منها.

هل أصبحت البلاك فرايدي حاجة للمستهلك أم فرصة للتاجر؟

برأيي، لم تعد البلاك فرايدي مجرد مناسبة تجارية عابرة، بل أصبحت انعكاساً واضحاً لتغير سلوك المستهلك وطريقة تفكيره في الشراء. فالمستهلك اليوم يبحث عن السعر الأقل، ويقارن بين المتاجر، ويتابع العروض قبل اتخاذ قرار الشراء، في حين يرى التاجر في هذه المناسبة فرصة لتنشيط المبيعات وزيادة الإقبال على منتجاته.



 

مقالات ذات صلة