الرئيسية / مقالات
مقالات

من خدمة الإنسان إلى منافسته.. إلى أين يقودنا سباق الروبوتات؟

من خدمة الإنسان إلى منافسته.. إلى أين يقودنا سباق الروبوتات؟

أحداث المملكة - بقلم: سمر الخربطلي

لم يعد الروبوت مشهداً من أفلام الخيال العلمي، ولا آلة تقتصر مهمتها على تكرار حركة واحدة داخل مصنع. اليوم، تتطور الروبوتات بسرعة لتصبح أكثر قدرة على الحركة، والتفاعل مع محيطها، وفهم الأوامر، وتنفيذ مهام كانت في السابق حكراً على الإنسان.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه مع هذا التطور ليس فقط: ماذا يستطيع الروبوت أن يفعل؟ بل: إلى أي حد نريد أن نسمح له بأن يفعل؟

الصين تقدم واحدة من أكثر التجارب إثارة في هذا المجال. فالدولة التي تمتلك قاعدة بشرية ضخمة، أصبحت في الوقت نفسه قوة رئيسية في صناعة الروبوتات، وتسعى إلى نقل الروبوتات الشبيهة بالبشر من المختبرات إلى المصانع والخدمات، وحتى إلى المجالات الأمنية والعسكرية.

وفي عام 2025، أنتجت الصين نحو 12,800 روبوت شبيه بالبشر، بما يقارب 90% من الإنتاج العالمي وفق تقرير مركز MERICS.

قد تبدو المفارقة واضحة: لماذا تطور دولة تضم هذا العدد الكبير من البشر آلات يمكنها القيام ببعض الأعمال التي يؤديها الإنسان؟

الإجابة ليست بالضرورة رغبة في استبدال البشر، وإنما في زيادة الإنتاجية، والتعامل مع الأعمال الخطرة والمتكررة، والاستعداد للتحولات الديموغرافية والاقتصادية، إضافة إلى المنافسة على التكنولوجيا التي ستشكل جزءاً مهماً من اقتصاد المستقبل.

فالروبوت يستطيع أن يعمل في مصنع لساعات طويلة، ويدخل إلى مكان خطر، ويحمل مواد ثقيلة، أو يساعد في عمليات البحث والإنقاذ، من دون أن تكون حياة الإنسان معرضة للخطر. ومن هذه الزاوية، يصبح الروبوت وسيلة لحماية الإنسان وليس منافساً له.

لكن الصورة تتغير عندما تبدأ الآلة بالخروج من المصنع.

فقد بدأت الصين اختبار روبوتات شبيهة بالبشر في مهام مدنية، مثل إدارة المرور وتوجيه الجمهور، بالتزامن مع توسع الأبحاث المتعلقة باستخدام الروبوتات في المجالات الأمنية والعسكرية.

وفي المجال العسكري، تتناول أبحاث صينية استخدام الروبوتات في الاستطلاع واللوجستيات والمهام الخطرة والعمليات داخل المناطق الحضرية. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الجيوش أصبحت تعتمد على روبوتات مستقلة في القتال؛ فما زالت هذه التكنولوجيا تواجه تحديات تتعلق بالطاقة والدقة والاعتمادية وقدرتها على التعامل مع الظروف غير المتوقعة.

لكن مجرد التفكير في هذه الاستخدامات يفتح باباً واسعاً من الأسئلة.

ماذا يحدث عندما لا يعود الروبوت مجرد منفذ لأوامر الإنسان، وإنما يصبح قادراً على تحليل الموقف واختيار التصرف؟

في المصنع، قد يكون خطأ الآلة قابلاً للإصلاح. أما في الشارع أو في الميدان العسكري، فقد يكون الخطأ متعلقاً بحياة إنسان.

وهنا تظهر قضية المسؤولية: إذا اتخذ روبوت قراراً خاطئاً، فمن يتحمل النتيجة؟ المبرمج؟ الشركة المصنعة؟ الجهة التي استخدمته؟ أم الشخص الذي أصدر الأمر؟

السؤال يصبح أكثر حساسية عندما تدخل الروبوتات إلى عمل الشرطة، حيث تتعلق المهام بأمن الناس وحرياتهم وحقوقهم. فوجود آلة قادرة على المراقبة أو التعامل مع الحشود قد يقلل من تعرض رجال الأمن للخطر، لكنه في المقابل يفرض ضرورة وجود قواعد واضحة تحدد ما تستطيع الآلة فعله، وما يجب أن يبقى حصراً بيد الإنسان.

أما فكرة أن الروبوت «سينقلب على البشر»، كما تصور لنا أفلام الخيال العلمي، فقد لا تكون هي الخطر الأكثر واقعية.

الخطر الحقيقي ربما يكون أكثر هدوءاً: أن يمنح الإنسان الآلة صلاحيات واسعة قبل أن يحدد حدودها.

فكلما أصبحت الروبوتات أكثر ذكاءً، يجب أن تصبح القوانين والضوابط أكثر وضوحاً. لا يكفي أن نعرف كيف نصنع آلة قادرة على الحركة والتعلم وتنفيذ المهام، بل علينا أن نحدد مسبقاً ما الذي يمكنها فعله، وما الذي يجب ألا تفعله مهما بلغت قدراتها.

والأهم ألا يتحول السباق بين الدول والشركات إلى سباق تقني فقط، تتقدم فيه القدرة على صناعة الروبوت أسرع من قدرتنا على وضع القواعد التي تحكم استخدامه.

فالروبوت قد يكون عاملاً، ومساعداً، ومنقذاً، وقد يكون في المستقبل جزءاً من منظومات الأمن والدفاع. لكن بين أن يكون أداة لحماية الإنسان وأن يصبح بديلاً عنه في القرارات الحساسة مساحة واسعة يجب ألا نتركها للصدفة.

وربما يكون السؤال الأهم في عصر الروبوتات ليس: هل سيحل الروبوت مكان الإنسان؟

بل: هل سيبقى الإنسان هو من يقرر أين يبدأ دور الآلة وأين ينتهي؟

لأن المشكلة ليست أن نصنع روبوتاً أكثر ذكاءً، وإنما أن نصل إلى مرحلة تصبح فيها الآلة قادرة على فعل أشياء لم نتفق بعد على ما إذا كان ينبغي لها أن تفعلها.

مقالات ذات صلة