أحداث المملكة - بقلم : عمر الدريني
ليست كل الخسائر التي يتكبدها الإنسان قابلة للقياس بالمال؛ فهناك خسارة أكثر هدوءًا، تتكرر كل يوم حتى تكاد تصبح جزءًا طبيعيًا من الحياة: الوقت.
دقائق تضيع في الانتظار، وساعات تُستهلك في التنقل، ووقت آخر يُهدر في متابعة إجراء أو البحث عن معلومة كان يفترض أن تكون واضحة ومتاحة. وقد تبدو كل واحدة من هذه الوقائع بسيطة إذا نظرنا إليها منفردة، لكنها حين تتكرر على مستوى المجتمع تتحول إلى كلفة حقيقية لا تظهر دائمًا في الأرقام.
فكم من ساعة يخسرها الأردني خلال عامه بسبب إجراء يمكن اختصاره؟ وكم من طاقة إنتاجية تذهب في أمور لا تضيف إلى حياة الإنسان قيمة حقيقية؟
هنا يصبح الوقت أكثر من مجرد عقارب تتحرك على الساعة؛ يصبح موردًا وطنيًا ينبغي أن نحسن إدارته.
عندما نتحدث عن تطوير الخدمات والإدارة، ننظر غالبًا إلى عدد المعاملات المنجزة، ونسبة الإنجاز، والكلفة المالية، وسرعة تقديم الخدمة. لكن هناك مؤشرًا لا يقل أهمية عن كل ذلك: الوقت الذي يدفعه المواطن للحصول على حقه أو خدمته.
فالمعاملة التي تنجز خلال دقائق ليست كالمعاملة التي تستنزف نصف يوم، حتى لو كانت النتيجة النهائية واحدة. والموظف الذي يقضي وقتًا طويلًا في التنقل لا يملك الطاقة نفسها لمن يبدأ يومه دون هذا الاستنزاف، والأسرة التي تفقد جزءًا من يومها في الانتظار تدفع كلفة لا تظهر في أي فاتورة.
وهذه هي المفارقة: قد لا تسجل ساعات الانتظار في دفاتر الخسائر، لكنها تترك أثرها في العمل والأسرة والإنتاج وحتى في مزاج الإنسان ونظرته إلى حياته اليومية.
لذلك ربما نحتاج إلى تغيير بعض الأسئلة التي نطرحها عند تقييم الخدمات.
ليس السؤال فقط: هل أُنجزت المعاملة؟
بل: كم استغرقت؟
وليس فقط: هل المعلومة متاحة؟ بل: كم احتاج المواطن من الوقت للوصول إليها؟
وليس فقط: هل الإجراء قانوني؟ بل: هل يمكن إنجازه بطريقة أكثر وضوحًا وأقل استنزافًا للوقت؟
هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تقود إلى مفهوم أوسع لجودة الخدمة العامة؛ لأن احترام وقت المواطن هو في جوهره احترام للإنسان نفسه.
حين تختصر مؤسسة إجراءً كان يستغرق ساعات إلى دقائق، فهي لا توفر الجهد فقط، وإنما ترسل رسالة واضحة: وقتك مهم. وحين تُنسق الإجراءات بين الجهات، وتُعالج نقاط التعقيد، وتصبح المعلومة متاحة من المرة الأولى، فإننا لا نتحدث عن رفاهية إدارية، بل عن تحسين مباشر لجودة حياة الناس.
والأمر لا يتعلق بالمؤسسات وحدها؛ فالمجتمع كله بحاجة إلى ثقافة جديدة تنظر إلى الوقت باعتباره قيمة. في المدرسة والعمل والشارع والمرافق العامة، كل دقيقة يمكن أن تكون جزءًا من إنتاج أو تعلم أو راحة أو وقت عائلي.
الأردن الذي نريده ليس فقط بلدًا ينجز المشروعات ويصدر القرارات، بل بلدًا يشعر فيه المواطن أن حياته اليومية أصبحت أكثر سهولة وتنظيمًا.
أن يختصر مشوارًا، وأن يجد المعلومة من المرة الأولى، وأن تنتهي معاملته دون مراجعات غير ضرورية، وأن يصل إلى عمله وبيته بوقت يسمح له بأن يعيش يومه بدل أن يقضي جزءًا كبيرًا منه في الانتظار؛ هذه كلها تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها تصنع فارقًا كبيرًا في حياة الناس.
وربما يكون من المفيد أن نضيف سؤالًا جديدًا إلى مؤشرات النجاح:
كم من الوقت أعدنا إلى المواطنين؟
فالدقائق التي نوفرها للفرد تصبح، عندما تتكرر على مستوى الملايين، ساعات وأيامًا من الحياة والإنتاج.
وفي بلد محدود الموارد، تصبح إدارة الوقت واحدة من أكثر الموارد التي يمكن تحسينها دون الحاجة دائمًا إلى كلفة مالية كبيرة.
فالوقت لا يمكن تخزينه، ولا استعادته بعد ضياعه، ولا تعويض الإنسان عنه.
ولهذا فإن الدولة التي تحسن إدارة وقت مواطنيها لا تقدم لهم خدمة أفضل فحسب؛ بل تمنحهم شيئًا أثمن:
جزءًا من حياتهم كان يمكن أن يضيع.
وحين يصبح احترام الوقت ثقافة في الإدارة والمجتمع معًا، فإننا لا نكون قد اختصرنا الإجراءات فقط، بل نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو حياة أكثر كفاءة، ومدينة أكثر انضباطًا، ومجتمع يقدّر قيمة الإنسان.
فالوقت الذي نحميه من الهدر، نحمي معه شيئًا لا يمكن استعادته أبدًا: حياة الإنسان نفسها.
