بقلم: عمر الدريني
مدرسة بلا خوف ليست حلمًا مستحيلًا: لا تُقاس جودة المدرسة بما تعلّمه للطلبة فقط، بل بما تضمنه لهم من أمان وهم يتعلمون.
قد تبدو عبارة «مدرسة بلا خوف» طموحًا مثاليًا يصعب تحقيقه؛ فالمدرسة مجتمع يضم أطفالًا يختلفون في طباعهم وخلفياتهم وطرق تعبيرهم، ومن الطبيعي أن تقع بينهم خلافات وسوء تفاهم، لكن الفرق كبير بين خلاف يمكن احتواؤه، وبيئة يشعر فيها الطالب بأنه مهدد أو مستهدف، وأن عليه أن يتنازل عن كرامته كي يتجنب الأذى.
لا تعني المدرسة الآمنة أنها مكان لا تحدث فيه مشكلة مطلقًا، بل مؤسسة تعرف كيف تكتشف المشكلة، وكيف تتعامل معها بعدل، وكيف تمنع تكرارها، فالسلامة ليست إعلانًا يعلّق على الجدران، وإنما منظومة تبدأ من القواعد الواضحة، وتمتد إلى سلوك الكبار، وعلاقات الطلبة، وآليات الإبلاغ، والمتابعة المستمرة.
ومن أول شروط هذه المنظومة أن يعرف كل طالب ما الذي يعد سلوكًا مؤذيًا، وأن يدرك أن الاختلاف ليس مبررًا للسخرية أو الإقصاء، ينبغي أن تكون قواعد التعامل مفهومة ومعلنة، وأن تطبق على الجميع دون محاباة، وأن تتناسب الإجراءات مع طبيعة السلوك وعمر الطالب وتكراره، فالتسامح مع الإساءة المتكررة لا يصنع بيئة متسامحة، كما أن العقوبة العشوائية لا تبني شعورًا بالعدالة.
وتحتاج المدرسة إلى قناة آمنة يستطيع الطالب من خلالها طلب المساعدة، قد يكون ذلك من خلال المرشد التربوي، أو معلم موثوق، أو الإدارة، أو آلية أخرى واضحة تراعي خصوصية الطالب، المهم ألا يشعر المشتكي بأن اسمه سيصبح موضوعًا للتداول، أو أن الإبلاغ سيعرضه للانتقام، أو أن شكواه ستُقابل بالتشكيك والسخرية.
ولا تكتمل الحماية دون تدريب العاملين في المدرسة على رصد مؤشرات التنمر والتعامل معها، فالمعلم يحتاج إلى معرفة متى يتدخل داخل الصف، ومتى يحيل الحالة إلى المرشد أو الإدارة، وكيف يتجنب كشف هوية المتضرر، كما يحتاج المرشد إلى أدوات مناسبة للاستماع والمتابعة، وتحتاج الإدارة إلى بيانات تساعدها على معرفة الأنماط المتكررة والأماكن والأوقات التي تزداد فيها المشكلات.
ويمكن للمدرسة أن تقيس تقدمها بمؤشرات عملية، لا بعدد الأنشطة والملصقات وحدها، من هذه المؤشرات: مدى معرفة الطلبة بطرق الإبلاغ، وسرعة الاستجابة للشكاوى، ونسبة الحالات التي جرى متابعتها بعد التدخل، وشعور الطلبة بالأمان في الصفوف والممرات والساحات، ومدى ثقتهم بأن الكبار سيستمعون إليهم، كما ينبغي أن تُقرأ الأرقام بحذر؛ فزيادة البلاغات قد تعني أحيانًا أن الطلبة أصبحوا أكثر ثقة في الإبلاغ، لا أن التنمر ازداد بالضرورة.
وللأسرة دور مكمل، فهي شريك في بناء السلوك وفي ملاحظة التغيرات التي قد لا تظهر داخل المدرسة، ومن المهم أن يكون التواصل بين البيت والمدرسة قائمًا على التعاون، لا على تبادل الاتهامات، فالهدف حماية الطفل وتعليمه، سواء كان متضررًا أو مارس سلوكًا مؤذيًا، مع عدم الخلط بين فهم أسباب السلوك وتبريره.
أما البيئة الرقمية، فيجب أن تكون جزءًا من سياسة المدرسة؛ لأن التنمر قد يبدأ في مجموعة إلكترونية أو يستمر بعد انتهاء الدوام، ومن الضروري توعية الطلبة بالخصوصية والموافقة والمسؤولية عن النشر والمشاركة، وتوضيح إجراءات الإبلاغ عن الإساءة الرقمية وحفظ الأدلة دون إعادة تداول المحتوى المؤذي.
في اليوم الدولي لمناهضة العنف والتنمر في المدارس، لا ينبغي أن نكتفي بتكرار الدعوة إلى بيئة آمنة، علينا أن نسأل: ما القاعدة التي تغيرت؟ وما الإجراء الذي أصبح أوضح؟ وما المؤشر الذي نتابعه؟ وما الذي سيلاحظه الطالب في يومه الدراسي بعد انتهاء المناسبة؟
المدرسة بلا خوف ليست حلمًا مستحيلًا، لكنها لا تتحقق بالنوايا وحدها، إنها نتيجة قرارات يومية عادلة، وإصغاء حقيقي، ومساءلة مسؤولة، وشراكة لا تسمح بأن يصبح الخوف جزءًا طبيعيًا من تجربة التعلم.
