قرية حمود… قريتي وموطن أجدادي، وذاكرة عمرٍ لن يمحوها الإرهاب
ليست قرية حمود بالنسبة إليّ مجرد قرية وقعت فيها عملية إرهابية، وليست مكاناً عابراً مررت به في حياتي، بل هي قريتي، وموطن أجدادي، وجزء أصيل من جذوري وهويتي وذاكرتي. فيها تمتد حكايات الأهل والعشيرة، وفيها ترتبط الأرض بالإنسان، وتبقى صلة الأجيال بماضيها حاضرة مهما ابتعدت المسافات ومهما تغيّرت ظروف الحياة.
منذ طفولتي، كانت حمود وجهتنا التي ننتظرها بشوق في العطلة الصيفية. كنت أذهب إليها برفقة إخوتي وعائلتي، وكانت زياراتنا لها تعني الراحة والاستجمام، والابتعاد عن مشاغل الحياة، وقضاء أجمل الأوقات بين الأهل والأقارب. كانت أياماً تحمل بساطة الطفولة ودفء العائلة، وذكريات لا تزال تسكن الوجدان مهما تقدّم بنا العمر.
وكبرنا، وكبرت معنا مسؤولياتنا، وتكوّنت لنا عائلاتنا، لكن حمود بقيت حاضرة في حياتنا، وبقيت زيارتها جزءاً من واجبنا ووفائنا لأهلنا وعشيرتنا. لم يعد الذهاب إليها مقتصراً على الراحة والاستجمام كما كان في طفولتنا، بل أصبح مناسبة لمشاركة أبناء العمومة والأهل أفراحهم وأتراحهم، والوقوف إلى جانبهم في مختلف الظروف، وأداء واجباتنا تجاه العشيرة وصلة الرحم. فهذه هي القيم التي تربينا عليها، وهذا هو معنى الانتماء الحقيقي الذي ورثناه عن آبائنا وأجدادنا.
لهذا كله، فإن ما حدث في قرية حمود لم يكن بالنسبة إليّ مجرد حادثة مؤلمة، بل كان اعتداءً على مكان يحمل في داخلي عمراً من الذكريات، وعلى أرض ارتبطت بها مشاعري منذ الصغر، وعلى شعور عميق بالألفة والانتماء لم يتغير مع مرور السنين.
لن أنسى اللحظة الأولى التي شاهدت فيها الإرهابيين يطلقون الرصاص على الجميع.
كنت من أقرب الحاضرين إليهم، ولم أكن أتابع ما يجري من بعيد أو أستمع إلى رواية نقلها إليّ أحد. كنت هناك، في قلب الحدث، أشاهد بعيني مشهداً لم أكن أتخيّل يوماً أن أراه في قريتي، وبين المكان الذي اعتدت أن أجد فيه الطمأنينة ودفء الأهل والعشيرة.
في تلك اللحظة، تداخلت في داخلي مشاعر الصدمة والخوف والذهول. كان من الصعب استيعاب ما يجري أمامي، ومن الأصعب أن أرى المكان الذي ارتبط بطفولتي وذكرياتي يتحول إلى مسرح للرعب. كيف يمكن لعقل الإنسان أن يستوعب هذا التحول المفاجئ؟ وكيف يمكن لقلب اعتاد أن يحمل لهذا المكان مشاعر المحبة والأمان أن يتقبل ما وقع فيه من عنف وقسوة؟
لم يكن المشهد بالنسبة إليّ مشهداً عابراً ينتهي بانتهاء لحظاته؛ فقد كنت أعيش التجربة بكل ثقلها الإنساني والنفسي. وفي مثل هذه اللحظات، يدرك الإنسان قيمة الحياة والأمان إدراكاً مختلفاً، ويشعر بأن الكلمات مهما بلغت قوتها تعجز عن نقل حقيقة ما عاشه لمن لم يكن هناك.
لكن ما زاد الألم عمقاً أن المكان الذي شهد تلك اللحظات ليس غريباً عني. إنه المكان الذي ذهبت إليه طفلاً مع إخوتي وعائلتي، وعشت فيه ذكريات جميلة، ثم عدت إليه بعد أن كبرنا لنؤدي واجباتنا تجاه أهلنا وأبناء عمومتنا وعشيرتنا. لقد اجتمعت في حمود ذكريات العمر كلها، من فرحة الطفولة إلى مسؤوليات الرجولة، ومن جلسات العائلة إلى الوقوف مع الأهل في أفراحهم وأتراحهم.
ولذلك، لم تكن صدمتي مرتبطة بما رأيته في تلك اللحظة وحدها، بل بما مثّله الحدث بالنسبة إليّ. كان الألم مضاعفاً حين وجدت نفسي أمام واقع يتناقض تماماً مع كل ما عرفته عن قريتي، ومع كل ما حملته لها من محبة ووفاء وانتماء.
أما بعد نجاتي، فقد أدركت أن انتهاء الخطر لا يعني بالضرورة انتهاء أثره في النفس. فالإنسان قد ينجو بجسده، لكنه يحتاج إلى الوقت حتى يستوعب ما عاشه، ويجد الكلمات التي تعبّر عن مشاعره. وقد يعود إلى حياته اليومية، ويجلس بين أفراد أسرته، ويتابع مسؤولياته المعتادة، لكن ذاكرته تظل تحتفظ بلحظات لا يستطيع محوها بمجرد الرغبة في النسيان.
وأنا اليوم، حين أستعيد ما حدث، لا أستطيع أن أفصل تلك الحادثة عن تاريخي الشخصي مع حمود. فكلما تذكرت ذلك اليوم، حضرت في ذهني أيضاً صور الطفولة، وذكريات العطلات الصيفية، ووجوه الأهل والأقارب، والمناسبات التي جمعتنا، والواجبات التي اعتدنا أن نؤديها تجاه عشيرتنا. وبين تلك الذكريات الجميلة وقسوة ما شاهدته، يبقى في النفس وجع يصعب التعبير عنه.
إن الإرهاب لا يستهدف حياة الإنسان وأمنه فحسب، بل يترك وراءه جروحاً نفسية وإنسانية تمتد آثارها إلى العائلات والمجتمعات. ولا يمكن لأي مبرر أن يمنح العنف شرعية، أو أن يجعل ترويع الأبرياء أمراً مقبولاً. فحرمة الإنسان وحياته وأمنه قيم لا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة.
ومع ذلك، لن أسمح لهذا الحدث بأن يختصر تاريخ حمود في ذاكرتي. فحمود بالنسبة إليّ أكبر من تلك الحادثة، وأعمق من ذلك اليوم القاسي. ستبقى قرية أجدادي، وأرض ذكرياتي، ومكان الأهل والعشيرة، وموطن القيم التي نشأنا عليها. لن يستطيع الإرهاب أن يمحو طفولتي فيها، أو أن يلغي سنوات المحبة وصلة الرحم والوفاء التي ربطتني بها وبأهلها.
أكتب اليوم بصفتي أحد الناجين، لا لأدّعي أنني تجاوزت كل ما شعرت به، ولا لأقول إن الأيام قادرة على محو كل شيء، بل لأشهد على ما عشته، ولأعبّر عن مشاعر بقيت في داخلي. أكتب لأن من حق الناجي أن يروي تجربته بصوته، ولأن بعض الأحداث لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد أخبار عابرة، ولأن الذاكرة الشخصية جزء من ذاكرة المكان وتاريخه.
لقد نجوت من ذلك الحدث، وهذه نعمة أحمد الله عليها، لكن نجاتي لا تعني أنني نسيت ما رأته عيناي، ولا أن حمود أصبحت في نظري مجرد موقع لعملية إرهابية. إنها قريتي التي أحببتها منذ طفولتي، وموطن أجدادي الذي أحمل له الوفاء، والمكان الذي جمع عائلتي وعشيرتي في مختلف مراحل حياتنا.
حمود ليست ذكرى رعب فحسب؛ إنها عمر من الانتماء، وجذور ضاربة في الأرض، وطفولة لا تزال حاضرة في القلب، وعشيرة تربطنا بها أواصر المحبة والواجب والوفاء.
قد تبقى آثار ذلك اليوم في ذاكرتي ما حييت، لكن الإرهاب لن يكون قادراً على انتزاع محبتي لقريتي، أو محو تاريخي معها، أو تغيير حقيقة أنها جزء من كياني وهويتي.
هذه شهادتي، وهذا وجعي، وهذا وفائي لقرية حمود؛ قريتي وموطن أجدادي، المكان الذي عدت إليه طوال حياتي محمّلاً بالمحبة والذكريات والواجب، ولم أكن أتخيّل أن أعيش فيه يوماً من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها إنسان.
نجوت من الرصاص، لكن ذلك اليوم بقي محفوراً في ذاكرتي. وستظل حمود، رغم الألم، قريتي التي أنتمي إليها، وأرض أجدادي التي أعتز بها، ومكاناً لا يستطيع الإرهاب أن يسلبه من قلبي.
شهادة ناجٍ من العملية الإرهابية في الكرك المهندس وليد عمارين
