مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف: مساق جامعي وضرورة حضاريةلمواجهة تحديات العصر
بقلم: خالد إبراهيم الفتياني
أستاذ جامعي متقاعد
لم تعد مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف قضية أمنية فحسب، ولامسؤولية تقع على عاتق الأجهزة المختصة وحدها، بل أصبحت ضرورةدينية وتربوية وفكرية ومجتمعية، تفرضها تحديات العصر وما يشهده العالم من تحولات فكرية واضطرابات اجتماعية واستغلال للدين فيتبرير العنف والاعتداء على الأبرياء.
لقد أثبتت التجارب أن مواجهة الإرهاب بعد وقوع الجرائم، علىأهميتها، لا تكفي وحدها للقضاء على جذوره؛ لأن الجريمة قد تكون نهاية مسار طويل من الانحراف في الفهم، والغلو في الاعتقاد،والتعصب في الرأي، وغياب الوعي بمقاصد الشريعة الإسلامية وحرمةالدماء والأعراض والأموال.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من الاقتصار على معالجة النتائجإلى بناء منظومة علمية وتربوية متكاملة تقي الأفراد والمجتمعات منالوقوع في براثن التطرف.
وإذا كانت الجامعات هي المؤسسات التي تُعِدُّ قادة المجتمع ومثقفيهومعلميه ودعاته، فإن مسؤوليتها تقتضي أن تجعل مكافحة الإرهابوالغلو والتطرف موضوعًا أصيلًا في مناهجها، ومساقًا جامعيًا يُدرَّسوفق أسس علمية راسخة، وفي مقدمة ذلك كليات الشريعة، ثم سائرالكليات والتخصصات؛ لأن هذه القضية تمس الإنسان والمجتمعوالدولة، ولا يمكن مواجهتها بجهد تخصص واحد.
أولًا: تصحيح المفاهيم الدينية أساسٌ لمواجهة التطرف
إن من أخطر أسباب التطرف الانحراف في فهم النصوص الشرعية،واجتزاؤها من سياقاتها، وإهمال مقاصدها وضوابط الاستدلال بها،ثم تحويلها إلى مبررات للعدوان على الآخرين.
وقد يتوهم بعض أصحاب الفكر المنحرف أنهم يخدمون الدين حين يتشددون في أحكامه، بينما هم في الحقيقة يخالفون مقاصده فيالعدل والرحمة وحفظ النفس وصيانة الحقوق.
ومن هنا تقع على كليات الشريعة مسؤولية كبرى في إعداد علماءودعاة يمتلكون العلم الراسخ، والقدرة على بيان الأحكام الشرعيةبمنهج متوازن، والتمييز بين الغيرة الدينية المشروعة والغلو المذموم،وبين الاختلاف الفقهي المقبول والتعصب الذي يقود إلى الكراهيةوالعنف.
ولا بد أن يتضمن هذا التوجه دراسة النصوص المتعلقة بحرمة الدماء،وضوابط التعامل مع المخالف، وأحكام العهود والأمان، ومقاصدالشريعة الإسلامية، وفقه الاختلاف، وقواعد التكفير وضوابطه،وخطورة التسرع في إطلاق الأحكام على الأشخاص والمجتمعات. كماينبغي بيان أن استباحة دماء الأبرياء ليست اجتهادًا مقبولًا، وأن إقامةالأحكام والحقوق ليست متروكة للأفراد وأهوائهم، بل لها ضوابطهاالشرعية والقانونية ومؤسساتها المختصة.
وهذه المعاني لا ينبغي أن تبقى حبيسة الكتب والمحاضرات النظرية،بل يجب أن تتحول إلى وعي عملي راسخ لدى طلبة العلم، حتى يكونواقادرين على مواجهة الشبهات بالحجة، والتعصب بالحكمة، والغلوبالعلم الصحيح.
ثانيًا: اعتماد مساق جامعي متخصص في مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف
إن إنشاء مساق جامعي بعنوان «مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف»لم يعد ترفًا أكاديميًا أو إضافة شكلية إلى الخطط الدراسية، بل ينبغي النظر إليه بوصفه استجابة علمية وتربوية لحاجة ملحّة في واقعنا المعاصر.
وأرى أن تكون كليات الشريعة في مقدمة المؤسسات التي تعتمد هذاالمساق بصورة إلزامية، نظرًا إلى طبيعة رسالتها في إعداد العلماءوالدعاة والمعلمين والباحثين في العلوم الإسلامية. كما ينبغي إدراجه في الكليات الأخرى، مع تكييف محتواه وفق طبيعة كل تخصص؛فطالب القانون يحتاج إلى فهم الإطار القانوني وحقوق الإنسان وسيادة القانون، وطالب التربية يحتاج إلى مهارات الوقاية والتعامل معالأفكار المنحرفة، وطالب الإعلام يحتاج إلى الوعي بخطاب الكراهيةوالشائعات والتضليل الرقمي، وطالب العلوم الاجتماعية يحتاج إلىفهم العوامل النفسية والاجتماعية التي قد تسهم في نشوء التطرف.
ويُستحسن أن يتضمن هذا المساق المحاور الآتية:
1.التأصيل الشرعي لمواجهة الغلو: دراسة النصوص الشرعية ومقاصدالشريعة المتعلقة بحرمة الدماء والعدل والرحمة وحقوق المخالفين.
2.مفهوم الإرهاب والتطرف والغلو: التمييز بين المصطلحات، وفهمصور العنف والتطرف دون الخلط بينها وبين التدين الصحيح أوالاختلاف الفكري المشروع.
3.أسباب التطرف وطرق الوقاية منه: دراسة العوامل الفكريةوالاجتماعية والنفسية، وأثر الشعور بالظلم والتهميش والاستقطابوخطابات التحريض، دون اختزال الظاهرة في سبب واحد.
4.التربية على المواطنة والتعايش: ترسيخ احترام كرامة الإنسان،وصيانة حقوق المواطنين على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وتعزيزالانتماء الوطني المسؤول.
5.التطرف في البيئة الرقمية: فهم أساليب التجنيد والتحريضالإلكتروني، والتحقق من المعلومات، والتعامل الواعي مع المحتوىالمتطرف والشائعات.
6.دور المؤسسات في الوقاية والمعالجة: دراسة مسؤوليات الأسرةوالمدرسة والجامعة والمسجد والإعلام ومؤسسات الدولة والمجتمعالمدني.
ثالثًا: لماذا تبدأ كليات الشريعة بهذه المسؤولية؟
إن تخصيص اهتمام أكبر بكليات الشريعة لا يعني تحميل الدينمسؤولية التطرف، ولا يعني أن التطرف محصور في المتدينين، بلينطلق من حقيقة أن الخطاب الديني قد يُستغل أحيانًا لتبرير العنف،الأمر الذي يجعل إعداد المختصين القادرين على تصحيح المفاهيم ومواجهة التأويلات المنحرفة ضرورة علمية ومجتمعية.
فخريج كلية الشريعة قد يصبح إمامًا أو خطيبًا أو معلمًا أو باحثًا أومرشدًا دينيًا، وتصل كلمته إلى شرائح واسعة من المجتمع. وإذا امتلك المعرفة الشرعية العميقة والوعي بآليات التطرف، استطاع أن يؤدي دورًا وقائيًا مؤثرًا في حماية الشباب من مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف: الاستقطاب الفكري، وأن يوضح أن التدين لا يتعارض مع الرحمة والعدل واحترام الحقوق.
ولهذا ينبغي ألا يقتصر إعداد طالب الشريعة على دراسة الأحكام الفقهية بصورة مجردة، بل يجب أن يشمل فهم الواقع، وفقه المآلات،ومهارات الحوار، ومعرفة الشبهات المعاصرة، والقدرة على مخاطبةالشباب بلغة علمية مفهومة. كما ينبغي إعداد أعضاء هيئة التدريس لهذا الدور، وتوفير المراجع العلمية الرصينة، والاستفادة من العلماء المتخصصين في الشريعة وعلم الاجتماع وعلم النفس والقانون.
والمقصود ليس أن تتحول كليات الشريعة إلى مؤسسات أمنية، بل أنتنهض برسالتها العلمية والتربوية في الوقاية من الانحراف، وأن تسهم في بناء الوعي الذي يحمي الدين والمجتمع معًا.
رابعًا: لماذا يجب أن يمتد المساق إلى الكليات الأخرى؟
إن التطرف ظاهرة متعددة الأبعاد، ولا يمكن فهمها أو مواجهتها منزاوية دينية أو أمنية واحدة. فقد تتداخل فيها عوامل فكرية واجتماعيةونفسية وسياسية وإعلامية، وقد تستغل الجماعات المتطرفة الأزمات والاضطرابات والشعور بالاغتراب لاستقطاب الأفراد وتوجيههم نحوالعنف.
ومن هنا تأتي أهمية تعميم المساق على سائر الكليات، بما يعزز المسؤولية المشتركة لدى خريجي الجامعات. فالمهندس والطبيب والمعلم والمحامي والإعلامي والباحث جميعهم جزء من المجتمع، وقد يكون لكلمنهم دور في اكتشاف مؤشرات الخطر، أو نشر ثقافة الحوار، أومواجهة التحريض، أو دعم الفئات المعرضة للاستقطاب.
وينبغي أن تُراعى خصوصية كل كلية في تحديد موضوعات المساق وأدوات تدريسه، مع وجود إطار معرفي مشترك يرسخ احترام القانون،وكرامة الإنسان، ورفض العنف، والتمييز بين النقد المشروع والتحريض على الاعتداء.
كما يجب التأكيد أن مكافحة التطرف لا تعني تقييد حرية الفكر أو تجريم الاختلاف، ولا يجوز اتخاذها ذريعة لإسكات الآراء المخالفة أو اتهام الناس بغير دليل.
فالمجتمع القوي هو الذي يواجه الأفكار بالحجة، والجرائم بالقانون،والخلاف بالحوار، ويحمي الحقوق دون تمييز.
خامسًا: مسؤولية الدولة والجامعة والأسرة والمجتمع
إن اعتماد المساق الجامعي خطوة أساسية، لكنه لا يكفي منفردًا ما لميندرج ضمن استراتيجية متكاملة للوقاية من التطرف.
فالأسرة مطالبة بتعزيز الحوار والثقة، ومتابعة ما يتعرض له الأبناء منأفكار ومحتوى رقمي، دون اللجوء إلى التخويف أو الاتهام غير المستندإلى دليل. والمدرسة مطالبة بتعزيز التفكير وقيم التسامح واحترامالقانون. والمسجد مطالب بأداء رسالته الدعوية والعلمية والتربوية فيبيان صحيح الدين والتحذير من الغلو والتحريض. والإعلام مطالب بالدقة والمسؤولية، والابتعاد عن نشر الشائعات أو التعميم على فئات المجتمع.
أما الدولة، فعليها أن تجمع بين تطبيق القانون على من يرتكب أعمالالعنف والتحريض الإجرامي، وتعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، وحمايةالحقوق والحريات المشروعة، ودعم المؤسسات التعليمية والدينيةوالاجتماعية التي تؤدي دورًا وقائيًا مسؤولًا.
ومن المهم أيضًا ألا تُبنى برامج مكافحة التطرف على افتراض أنالفقر أو التدين أو الاختلاف الفكري يؤدي بالضرورة إلى الإرهاب؛فهذه اختزالات لا تخدم المعالجة العلمية.
وختامًا نقول: الوقاية بالعلم قبل أن يصبح التطرف جريمة
إن مكافحة الإرهاب والغلو والتطرف ليست مهمة موسمية تُستحضر بعد وقوع جريمة، ثم تتراجع مع انحسار الاهتمام بها، بل هي مسؤولية دائمة تتصل بحماية الإنسان وصيانة المجتمع والحفاظ على استقرار الدولة.
