الرئيسية / مقالات
مقالات

الواجبات المدرسية.. حين ينتقل ضغط الدراسة من المدرسة إلى البيت

الواجبات المدرسية.. حين ينتقل ضغط الدراسة من المدرسة إلى البيت


بقلم: هبه ياسين

يعود طفل إلى منزله بعد يوم دراسي طويل، يضع حقيبته جانبًا، ويلتقط أنفاسه للحظات، قبل أن تسأله والدته: «شو عندك دراسة اليوم؟؟

يفتح دفاتره، ويبدأ بتقليب الصفحات، فيما تحاول والدته ترتيب المهام المطلوبة منه بين مادة وأخرى. تمر الساعات، ويبدأ التعب بالظهور على ملامحه، بينما لا تزال أمامه أسئلة لم تُحلّ وصفحات تنتظر الإنجاز. يتأجل وقت اللعبوالاسترخاء، وتتحول الأمسية التي يفترض أن تكون مساحة للراحة والحديث مع الأسرة إلى ساعات إضافية من الدراسة.

قد لا تعيش جميع الأسر هذا المشهد بالطريقة نفسها، لكنه يفتح بابًا لسؤال يتردد في أحاديث كثير من الأهالي: هل أصبح انتهاء الدوام المدرسي مجرد انتقال من مقعد الصف إلى طاولة الدراسة في المنزل؟

لا خلاف على أهمية التدريب المنزلي في تثبيت المعلومات وتنمية قدرة الطالب على الفهم والتطبيق والاعتماد على النفس. لكن المشكلة تبدأ عندما تتراكم المهام وتتجاوز الوقت الذي يستطيع الطفل تخصيصه لها بصورة متوازنة، فيجد نفسه أمام يوم دراسي لا ينتهي بانتهاء الحصص.

فليس الهدف من التعليم أن ينجز الطالب أكبر عدد ممكن من الأسئلة، بل أن يستوعب ما يتعلمه ويستطيع استخدامه. وقد تحقق مهمة قصيرة وواضحة الهدف فائدة أكبر من صفحات طويلة ينجزها الطفل لمجرد الانتهاء منها. فالعبرة ليست بكمية العمل، بل بمدى تأثيره في فهم الطالب وتقدمه.

حين تمتد الدراسة إلى الأسرة

لا يقف أثر هذا الضغط عند الطفل، بل يمتد إلى الأسرة التي تجد نفسها شريكة في متابعة الدروس وشرحها والتأكد من إنجاز المطلوب. وفي بعض البيوت، يتحول المساء إلى سلسلة من التذكيرات والخلافات حول التأخر وعدم التركيز والرغبة في اللعب، رغم أن الجميع يسعى إلى تحقيق النتيجة نفسها: نجاح الطفل وتقدمه.

وتزداد صعوبة الأمر لدى الأسر التي يعمل فيها الأب والأم لساعات طويلة، أو التي لديها أبناء في مراحل دراسية مختلفة. كما أن تفاوت قدرة الأهالي على تقديم المساعدة قد يخلق فجوة بين الطلبة، فليس كل طفل يجد من يشرح له الدروس أو يتابع تقدمه يوميًا.

وفي المقابل، لا ينبغي تحميل المعلمين وحدهم مسؤولية المشكلة؛ فهم يواجهون متطلبات المناهج وضيق الوقت وتفاوت مستويات الطلبة. لكن تعدد المهام المطلوبة من مواد مختلفة، من دون تنسيق كافٍ، قد يجعل العبء الإجمالي أكبر مما يبدو لكل معلم على حدة.

تعلّم أفضل.. لا ساعات أطول

تشير مراجعات تربوية إلى أن الدراسة المنزلية يمكن أن تدعم التحصيل، لكن فائدتها تتأثر بعمر الطالب وطبيعة المهمة ومدى ارتباطها بما يتعلمه داخل الصف. لذلك، فإن زيادة حجم العمل ليست بالضرورة طريقًا إلى نتائج أفضل.

وتبرز هنا أهمية التنسيق بين المعلمين، ومراعاة الفروق العمرية، والتركيز على الأنشطة التي تعزز الفهم بدلًا من التكرار المطول. كما أن الاستماع إلى الطلبة وأولياء الأمور يمكن أن يساعد المدارس على معرفة الوقت الذي تستغرقه المهام فعلًا، ومدى تأثيرها في الحياة اليومية.

إن معالجة هذه القضية لا تعني إلغاء التدريب المنزلي أو التقليل من أهمية الالتزام، بل تحقيق التوازن بين متطلبات التعليم واحتياجات الطفل. فالراحة والنوم واللعب والتواصل مع الأسرة ليست أمورًا ثانوية، بل جوانب أساسية في نموه وتوازنه وقدرته على التعلم.

في النهاية، ليس المطلوب أن يعود الطالب إلى المنزل ليبدأ دوامًا آخر، بل أن يجد وقتًا يراجع فيه ما تعلمه دون أن يفقد حقه في الراحة والطفولة.

فالمدرسة ليست مجرد مكان لنقل المعرفة، بل مساحة لبناء شخصية متوازنة، والدراسة المنزلية وسيلة للتعلم وليست غاية بحد ذاتها.

وإذا كان الهدف أن يتعلم الطفل بصورة أفضل، أليس من حقنا أن نسأل: هل نمنحه فعلًا فرصة للفهم والتطور، أم نحمّله أحيانًا من المهام ما يترك له وقتًا أقل ليعيش طفولته؟



 

مقالات ذات صلة