بقلم: عمر الدريني
موعد العرس الوطني الطلابي: يوم الخميس 22-10-2026
قد تبدو المدرسة التي تجري انتخابات طلابية وتعلن أسماء الفائزين وتشكّل مجلسًا برلمانيًا وكأنها قطعت شوطًا مهمًا في ترسيخ المشاركة، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نجاح التجربة، فوجود المجلس لا يعني بالضرورة أن الطلبة أصبحوا شركاء في تطوير حياتهم المدرسية، كما أن إجراء الانتخابات لا يضمن أن تتحول أصواتهم إلى مقترحات تُناقش أو أفكار تجد طريقها إلى التنفيذ.
الفارق بين التمثيل الشكلي والمشاركة الحقيقية لا يظهر في أسماء الأعضاء، ولا في ترتيب المقاعد، ولا في عدد الاجتماعات والصور التوثيقية؛ بل يظهر في طبيعة الدور الذي يؤديه المجلس، وفي المساحة المتاحة أمامه للعمل، وفي مدى شعور الطلبة بأن ممثليهم ينقلون آراءهم بأمانة ويتابعون قضاياهم بجدية.
فالتمثيل الشكلي يبدأ عندما يصبح الفوز هدفًا قائمًا بذاته، ويُختزل دور العضو في حمل صفة برلمانية أو الظهور في المناسبات. وقد يجتمع المجلس مرات متعددة، لكنه يظل محدود الأثر إذا لم تكن لديه قضايا واضحة يناقشها، أو إذا لم يعرف أعضاؤه كيف ينتقلون من تسجيل الملاحظات إلى صياغة مقترحات قابلة للدراسة، أما المشاركة الحقيقية فتبدأ عندما يدرك الطالب أن انتخابه مسؤولية تجاه زملائه، وأن العضوية ليست مكانة اجتماعية، بل عمل يتطلب الإصغاء والتواصل والمتابعة.
ولا يعني ذلك أن نحمّل المجالس الطلابية مسؤوليات تتجاوز طبيعتها التربوية، أو أن نطالبها باتخاذ قرارات تقع ضمن صلاحيات الإدارة المدرسية أو الجهات الرسمية، فالمشاركة الفاعلة لا تعني إلغاء الأدوار أو تجاوز الأنظمة، وإنما تعني وجود مساحة واضحة يستطيع الطلبة من خلالها التعبير عن احتياجاتهم، وتقديم المبادرات، والمساهمة في تحسين بيئتهم المدرسية بالتعاون مع الإدارة والمعلمين.
ومن هنا، يصبح وضوح الأدوار شرطًا أساسيًا للنجاح، ينبغي أن يعرف أعضاء المجلس ما المتوقع منهم، وكيفية عقد الاجتماعات، وآلية استقبال المقترحات، والجهة التي تُرفع إليها القضايا، والطريقة التي يمكن من خلالها متابعة الردود والنتائج، وعندما تتضح هذه المسارات، يصبح العمل أكثر تنظيمًا، ويستطيع الطلبة التمييز بين مطلب يمكن تنفيذه داخل المدرسة، وآخر يحتاج إلى موافقات أو إمكانات إضافية، وثالث يتطلب وقتًا أطول للدراسة.
كذلك، لا يمكن الحديث عن مشاركة حقيقية إذا انحصرت العلاقة بين المجلس والطلبة في فترة الانتخابات، فالعضو المنتخب يحتاج إلى التواصل مع زملائه طوال مدة عمله، والاستماع إلى الفئات المختلفة، وعدم الاكتفاء بمن ساندوه في حملته، والطالب الذي لم يصوّت للفائز لا يفقد حقه في إيصال رأيه، كما أن صاحب الصوت الأقل حضورًا لا ينبغي أن يبقى خارج دائرة الاهتمام، فالتمثيل مسؤولية تجاه المجتمع الطلابي كله، لا تجاه مجموعة محددة.
وفي المقابل، تتحمل المدرسة مسؤولية تهيئة البيئة المناسبة لهذه التجربة، فحين تُستقبل المقترحات بجدية، وتُناقش الأفكار دون تهكم، وتُوضح أسباب قبول الطلبات أو تعذر تنفيذها، يتعلم الطلبة معنى المشاركة المسؤولة، أما إذا طُلب منهم التعبير عن آرائهم ثم لم يجدوا أي متابعة أو تفسير، فقد تتراجع ثقتهم بالتجربة، حتى لو استمرت الانتخابات في مواعيدها.
ومن الإنصاف أيضًا أن يُقيّم المجلس وفق إمكاناته والظروف التي يعمل فيها، فلا تُقاس نجاحاته بعدد المبادرات وحده، بل بمدى ارتباطها بحاجات الطلبة، وجودة تنظيمها، ومشاركة أصحاب العلاقة فيها، واستمرار أثرها، وقد يكون حل مشكلة صغيرة تتكرر يوميًا أكثر قيمة من نشاط واسع لا يترك أثرًا مستدامًا.
في يوم الخميس 22-10-2026، ومع العرس الوطني الطلابي، تتجدد فرصة لتأكيد أن بناء الشخصية المسؤولة لا يتحقق بمجرد منح الطلبة فرصة التصويت، بل بتمكينهم من فهم معنى الاختيار والعمل الجماعي واحترام القواعد ومراجعة النتائج، وهذه مسؤولية مشتركة لا ينهض بها المجلس وحده، بل تتكامل فيها جهود الطلبة والإدارة والمعلمين والأسرة.
فالمدرسة لا تحتاج إلى مجلس يحمل اسمًا كبيرًا بقدر حاجتها إلى تجربة تمنح المشاركة معناها، وعندما يصبح لصوت الطالب مسار واضح، وللمقترح فرصة حقيقية، وللثقة متابعة مستمرة، ينتقل المجلس من صورة على جدار المدرسة إلى ممارسة تترك أثرها في نفوس أبنائها.
