الرئيسية / مقالات
مقالات

أول البوار ومقدمة الدمار . بقلم: جميل القاضي

أول البوار ومقدمة الدمار .  بقلم: جميل القاضي

أول البوار ومقدمة الدمار .

المستشار الإعلامي جميل سامي القاضي.

هذه مقاربة لقراءة في واقع الأحزاب السياسية وأسباب تعثر العمل الحزبي ، فمن المعلوم بان الأحزاب السياسية لم تنشأ  لتكون أسماء على الورق، أو مقرات تزينها الشعارات، أو منصات يتسابق من خلالها الطامحون إلى المناصب والمكاسب، وإنما وجدت لتكون مدارس للفكر، ومنابر للإصلاح، وأدوات للمشاركة الشعبية في صناعة القرار، وجسورا تربط طموحات المواطنين بمستقبل أوطانهم.

غير أن العمل الحزبي، في بعض تجاربه ومراحله، قد ينحرف عن غاياته حين تتقدم المصالح الشخصية على البرامج، وتعلو الحسابات الضيقة على المصلحة العامة، ويتحول التنافس من سباق في الأفكار والرؤى إلى صراع على المواقع والنفوذ ،  وهنا تبدأ الحكاية التي عنوانها أول البوار ومقدمة الدمار.

فأول البوار يبدأ عندما يصبح المنصب الحزبي غاية لا وسيلة، وعندما يقاس نجاح القيادات بمدى إحكام قبضتها على القرار، لا بقدرتها على تطوير العمل واستقطاب الكفاءات،  ويشتد الخلل حين تختزل المؤسسات في أشخاص، وتعامل الآراء المخالفة وكأنها خروج عن الصف، وينظر إلى النقد باعتباره خصومة، لا فرصة للمراجعة والتصحيح.

والأحزاب، بطبيعتها، تقوم على اختلاف الرؤى وتعدد الاجتهادات، وهذا الاختلاف ليس عيبا، بل هو جوهر العمل السياسي السليم ، لكن العيب أن يتحول الاختلاف إلى خلاف، والخلاف إلى انقسام، والانقسام إلى قطيعة، حتى يصبح أبناء المشروع الواحد أشد انشغالا بمواجهة بعضهم بعضا من انشغالهم بالقضايا التي تأسس الحزب من أجلها.

ومن مظاهر الخلل أن ترفع شعارات الديمقراطية بينما تغيب ممارستها، وأن يطالب المواطن بالمشاركة في صناعة القرار العام بينما لا يجد داخل بعض الأطر الحزبية مساحة حقيقية للتعبير والمشاركة ، وأن تعلن أهمية الشباب والكفاءات، ثم تحاصر المبادرات المستقلة، وتقدم الولاءات الشخصية على الكفاءة والاستحقاق.

وهنا تبرز الأسئلة التي ينبغي لكل تجربة حزبية أن تواجهها بشجاعة: هل الأنظمة الداخلية مرجعية ثابتة للجميع، أم نصوص تفسر وفقا للمصالح؟ وهل المواقع الحزبية مسؤوليات محددة المدة والصلاحيات، أم امتيازات يسعى أصحابها إلى الاحتفاظ بها؟ وهل الاجتماعات مساحة للحوار وصناعة التوافق، أم مجرد إجراءات شكلية لإضفاء المشروعية على قرارات حسمت مسبقا؟
إن هذه الأسئلة لا تستهدف حزبا بعينه، ولا تختص بتجربة دون أخرى، وإنما تمس جوهر العمل الحزبي أينما كان، لأن الخلل حين يقع في إدارة الاختلاف، أو توزيع المسؤوليات، أو احترام المؤسسات، فإنه يهدد الثقة بين القيادة والقواعد، ويضعف قدرة الحزب على أداء دوره السياسي والمجتمعي.

والأخطر من ذلك أن تتراجع ثقة الأعضاء بجدوى المشاركة، فيتحول بعضهم إلى متفرجين، وينسحب آخرون بصمت، بينما يبقى العمل محصورا في دائرة ضيقة تتبادل فيها المواقع الوجوه ذاتها. وعندها قد يستمر الحزب في إصدار البيانات وعقد الاجتماعات، لكنه يفقد تدريجيا أهم عناصر قوته: ثقة الناس، وحيوية أعضائه، وقدرته على التجدد.
فالحزب لا يقاس بعدد أعضائه المسجلين وحده، ولا بعدد مقراته وفروعه، ولا بكثرة بياناته وتصريحاته، بل بقدرته على إنتاج الأفكار، وتقديم البرامج الواقعية، وإعداد القيادات، وفتح المجال أمام المشاركة، وتحويل مطالب المواطنين إلى مبادرات وسياسات قابلة للتطبيق.
أما حين تتحول السياسة إلى سباق دائم على المواقع، ويصبح الولاء للأشخاص مقدما على الالتزام بالمبادئ، فإن الخسارة لا تقتصر على حزب دون آخر، بل تمتد إلى صورة العمل الحزبي كله، وتنعكس على ثقة المواطن بجدوى الانتساب والمشاركة، وتمنح العزوف السياسي أسبابا إضافية للنمو.

وليس من الإنصاف أن تحمل الأحزاب وحدها مسؤولية كل تعثر سياسي، فنجاح العمل الحزبي يرتبط أيضا بالبيئة القانونية والسياسية، ومدى توافر فرص المشاركة، وثقة المجتمع، وقدرة الأحزاب على التواصل مع الناس. غير أن الاعتراف بهذه العوامل لا يعفي أي حزب من مسؤوليته عن مراجعة أدائه، وتصحيح أخطائه، والاحتكام إلى مؤسساته وقواعده.

إن المطلوب ليس أحزابا خالية من الخلاف، فذلك أمر يصعب تصوره في الحياة السياسية، وإنما أحزاب تمتلك القدرة على إدارة خلافاتها دون أن تهدم مؤسساتها، وعلى تجديد قياداتها دون أن تتصدع صفوفها، وعلى احترام النقد دون أن تفقد وحدتها، وعلى جعل التنافس وسيلة للتطوير لا ذريعة للإقصاء.

فالديمقراطية لا تختبر عندما تتفق الآراء، بل عندما تتعارض. والمؤسسية لا تظهر عندما تخدم القواعد مصالحنا، بل عندما تلزمنا بما لا يوافق رغباتنا. والقيادة الحقيقية لا تقاس بعدد من يصفقون لها، بل بقدرتها على بناء مؤسسة تستمر وتنجح حتى في غيابها.

أول البوار أن تنسى الأحزاب رسالتها، ومقدمة الدمار أن تنشغل بصراعاتها عن مسؤولياتها.
وإذا كانت الأحزاب تطمح إلى إقناع المواطن بأنها قادرة على المشاركة في إدارة الشأن العام، فإن البداية لا تكون بكثرة الشعارات، بل بترسيخ الممارسة المؤسسية، واحترام الأنظمة، وتكافؤ الفرص، وتداول المسؤوليات، وإعلاء المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية.

فالأوطان لا تحتاج إلى أحزاب تتنافس على من يملك القرار وحده، بل إلى أحزاب تتنافس على من يقدم الفكرة الأفضل، والبرنامج الأجدى، والحل الأقرب إلى حاجات الناس.

وفي النهاية، تبقى الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها: أن الحزب الذي لا يراجع نفسه، ولا يتعلم من أخطائه، ولا يمنح أبناءه الثقة والمساحة للمشاركة، يعرض مستقبله للتراجع مهما بلغت قوة شعاراته.
فاحذروا أول البوار قبل أن تصبح الخلافات انقسامات، والانقسامات انسحابات، والانسحابات فراغا لا تملؤه البيانات ولا تعالجه الخطب.
فالأحزاب وُجدت لتخدم الأوطان، لا لتكون الأوطان وقودا لصراعاتها؛ وُجدت لتجمع الناس حول الأفكار، لا لتفرقهم حول الأشخاص.
ومن هنا يبدأ الإصلاح: أن تستعيد الأحزاب رسالتها، وتعيد الاعتبار للمؤسسات، وتدرك أن مستقبل العمل الحزبي لا تصنعه الكراسي التي يتنافس عليها أصحابها، بل الثقة التي تزرعها في نفوس المواطنين.

مقالات ذات صلة