الرئيسية / مقالات
مقالات

لماذا ترتفع الإيجارات أصلاً؟ سامر خير

لماذا ترتفع الإيجارات أصلاً؟  سامر خير

 

 

شهد العام الحالي رفعاً على مراحل لأسعار المحروقات، رغم ذلك فإن أرقام دائرة الإحصاءات العامة التي نُشرت قبل أيام قالت إن أكثر ما دفع الأسعار في الأردن إلى الارتفاع كان الإيجارات وليس أسعار المحروقات. فمن أصل تضخم بلغ 2.26 بالمئة في الأشهر التسعة الأولى من العام، أضافت الإيجارات وحدها نحو 0.72 نقطة مئوية، أي قرابة الثلث، متقدمة على النقل الذي ساهم بنحو 0.66 نقطة. وهذا ليس تفصيلاً في ترتيب بنود سلة الأسعار، فهو يقول عن سوق السكن ما لا تقوله النسبة العامة.

لم يأتِ هذا من قفزة مفاجئة. فقد ارتفعت الإيجارات في أيلول بنسبة 4.3 بالمئة عن الشهر نفسه من العام الماضي، وهي نسبة أعلى بوضوح من متوسط ارتفاعها السنوي منذ 2007، البالغ 3.14 بالمئة، وأدنى كثيراً من ذروة 7.51 بالمئة التي سجلتها في كانون الأول 2013، في نهاية عام شهد ذروة تدفق اللاجئين السوريين إلى بلدنا. لكن بنداً بهذا الوزن في إنفاق الأسر لا يحتاج إلى قفزة كي يتصدر قائمة المساهمين في التضخم، بل يكفيه أن تبقى زيادته السنوية مرتفعة ومستقرة بينما تصعد البنود الأخرى وتهبط. فقد ثبتت مساهمة الإيجارات في التضخم السنوي عند 0.76 نقطة في الأشهر الأخيرة، في حين تقلّبت مساهمة النقل مع أسعار المحروقات، ولم يتجاوز ارتفاع أسعار الغذاء في آب 0.23 بالمئة.

وهذا يعني أن متوسط 2.26 بالمئة لا يصف تجربة الأسر كلها بالقدر نفسه. فمن يسكن بيتاً يملكه لا يدفع زيادة الإيجار، أما المستأجر فيدفعها، وغالباً دفعة واحدة عند تجديد العقد. ويتضح الفارق أكثر حين يقارَن بالأجور، فالحد الأدنى للأجر ثابت عند 290 ديناراً منذ مطلع 2025، أي أن العامل الذي يتقاضاه ويسكن بالإيجار، إن جدد عقد إيجاره هذا العام بزيادة، يدفعها من أجر لم يتغير. أما متوسط الأجور فأحدث أرقامه المنشورة لدى دائرة الإحصاءات تعود إلى 2023، حين بلغ متوسط الأجر الشهري في القطاع الخاص 499 ديناراً، وهي لا تكفي لمعرفة إن كانت الأجور قد لحقت بالإيجارات منذ ذلك الحين.

السؤال الأهم هو لماذا ترتفع الإيجارات أصلاً. فقد عاد أكثر من 230 ألف لاجئ سوري من الأردن إلى بلادهم منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، بحسب المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، وكان يُفترض أن يخفف ذلك شيئاً من الضغط على الشقق المستأجرة. وارتفعت مساحات الأبنية السكنية المرخصة بنسبة 10 بالمئة في النصف الأول من العام لتبلغ نحو 4.03 مليون متر مربع. ومع ذلك واصلت الإيجارات صعودها. لكن أياً من الرقمين لا يقيس ما يهم المستأجر. فليس كل العائدين كانوا يستأجرون شققاً مستقلة، إذ عاش بعضهم في المخيمات وبعضهم مع أسر أخرى، ولا تقع الشقق التي أخلوها بالضرورة حيث يشتد الطلب، بينما تتشكل كل عام أسر أردنية جديدة تبحث عن سكن. ورخصة البناء ليست شقة جاهزة، وقد تمتد المسافة بينهما سنوات، فضلاً عن أن جانباً من البناء الجديد يتجه إلى البيع لا إلى التأجير، أو إلى فئات سعرية لا تخدم الباحث عن شقة بإيجار معقول. ولا تتوفر بيانات حديثة ومنتظمة عن عدد الشقق الشاغرة في عمّان، ولا عن متوسط الإيجار في كل مدينة وحي، ومن دونها يصعب أن يقوم نقاش جاد في المسألة، أو أن تُعرف السياسة التي تناسبها.

وإذا كانت الحكومة لا تتحكم بأسعار النفط العالمية، فهي في سوق السكن تملك أدوات مباشرة، كأنظمة البناء التي تحدد مساحات الشقق وعدد الطوابق، وكلفة الأراضي المخدومة بالبنية التحتية، وبرامج الإسكان الميسر والتمويل طويل الأجل للأسر الشابة. صحيح أن زيادة المعروض تحتاج وقتاً، وأن تحديد الإيجارات بقرار إداري قد يدفع بعض المالكين إلى إبقاء شققهم فارغة أو بيعها، إلا أن انتظار السوق وحده يعني أن يتحمل المستأجرون، وكثير منهم أسر شابة لم تتمكن بعد من التملك، كلفة هذا الاختلال طوال تلك المدة. والخطوة الأولى، وأقلها كلفة، أن تنشر دائرة الإحصاءات بيانات منتظمة عن الإيجارات حسب المدن والأحياء وأحجام الشقق، تتيح لصانع القرار وللأسر أن يعرفوا أين يشتد الغلاء فعلاً.

يبقى أن ارتفاع الإيجار بنحو 4 بالمئة سنوياً لا يثير ما تثيره زيادة سعر لتر البنزين من ضجة. لكن سعر البنزين يرتفع وينخفض مع الأسواق وقرارات التسعير، أما زيادة الإيجار فتبقى قائمة، وقد تُبنى عليها زيادة أخرى عند تجديد عقد الإيجار، ولا تتراجع حين تنخفض أسعار النفط.

مقالات ذات صلة