الرئيسية / مقالات
مقالات

الاقتصاد الأردني بين الصمود والنمو بقلم: سامر خير

الاقتصاد الأردني بين الصمود والنمو    بقلم: سامر خير

بعد أكثر من سبعة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في أواخر شباط الفائت، أطلقت طهران خلالها أكثر من 250 صاروخاً ومسيّرة باتجاه الأردن، سجّل الاقتصاد الأردني أكثر من مؤشر إيجابي؛ فقد نمت الصادرات الكلية بنسبة 14.5 بالمئة في النصف الأول من العام، ونجح الأردن في الحفاظ على الاستقرار النقدي في ظرف إقليمي بالغ الصعوبة، إذ تغطي الاحتياطيات نحو تسعة أشهر من المستوردات، وبقي التضخم قريباً من 2 بالمئة حتى منتصف العام، لكن الدين العام ما يزال مرتفعاً عند نحو 84 بالمئة من الناتج، وفق المقياس الرسمي الذي يستثني صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي. كما أن صندوق النقد الدولي توقع نمواً يتجاوز 2.7 بالمئة هذا العام و3.1 بالمئة في العام المقبل 2027، وهي نسب قريبة من النطاق الذي يدور فيه الاقتصاد الأردني منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008. والحال أن هذه المؤشرات تقيس قدرة الاقتصاد الأردني على الصمود أكثر مما تقيس قدرته على النهوض، إذ استطاع الاقتصاد أن يمنع الأزمات المتلاحقة من دفعه إلى الانهيار، لكنه لم يستطع أن يحوّل استقراره إلى قفزة في النمو.

لقد كشفت حرب هذا العام قيود موقعنا الجغرافي ومزاياه في آن معاً. فمن جهة، تراجعت إيرادات السياحة بنسبة 9.2 بالمئة في الأشهر الخمسة الأولى من العام، قبل أن تتعافى في الصيف لتسجّل نمواً بنسبة 2.9 بالمئة خلال الأشهر الثمانية الأولى. ومن جهة أخرى، قفزت بضائع العبور في ميناء العقبة بنسبة 155 بالمئة في النصف الأول مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز، وارتفعت إعادة التصدير بنسبة 44.6 بالمئة. وهذا يعني أن الأزمة التي أضعفت مورداً خارجياً فتحت مورداً آخر بفضل الموقع الجغرافي نفسه.

لكن الرقم الأهم أن الصادرات الوطنية، أي ما يُنتَج منها فعلاً على الأرض الأردنية، لم ترتفع في الفترة نفسها إلا بنسبة 6.2 بالمئة. صحيح أن ثمة قاعدة يمكن البناء عليها، فقد ارتفعت صادرات البوتاس الخام بنسبة 30.7 بالمئة والأسمدة بنسبة 14.1 بالمئة، وحصلت الألبسة، أكبر قطاعات التصدير الأردنية، على إعفاء كامل من الرسوم في اتفاق التجارة المتبادلة مع الولايات المتحدة، كما بلغت الصادرات إلى سوريا 252 مليون دينار في 2025 بعد ارتفاعها 355 بالمئة، إلا أن التحدي ليس في تسجيل زيادات متفرقة، بل في تحويلها إلى مسار نمو أعلى يستوعب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهو ما لا يتحقق بنمو يدور حول 3 بالمئة. وهي مشكلة لا تقف آثارها عند الاقتصاد وحده، إذ تبقى البطالة المرتفعة بين الشباب تحدياً مباشراً أمام مسار "التحديث السياسي" الذي يراهن على إشراكهم في الحياة الحزبية.

على الصعيد الخارجي، وسّع الأردن هذا العام شراكاته في أكثر من اتجاه؛ فقد وُقّعت مع الإمارات في شهر نيسان اتفاقيات بقيمة 2.3 مليار دولار لسكة حديد ميناء العقبة، وزار جلالة الملك عبدالله الثاني الصين في آب للمرة الأولى منذ عام 2015، بعد أن غدت الشريك التجاري الأول للأردن في 2025 بحجم تبادل بلغ 6.7 مليار دولار. والزيارة الملكية إلى الصين تعكس تحوّطاً لا تحوّلاً، فالأردن لا يستبدل شريكاً بآخر، بل يوسّع هامش حركته بين الشرق والغرب. غير أن الميزان التجاري مع الصين يميل بوضوح لصالحها، إذ لم تتجاوز الصادرات الأردنية إليها نحو 300 مليون دولار في الأشهر الخمسة الأولى من العام، رغم ارتفاعها 80 بالمئة.

وتنويع الشركاء لا يغيّر طبيعة الاقتصاد ما لم يزد في العلاقة معهم وزن الاستثمار والإنتاج قياساً إلى التمويل والاستيراد، وثمة إشارة إيجابية هنا، إذ ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في 2025 بنسبة 25 بالمئة إلى نحو ملياري دولار، في أعلى مستوى لها منذ 2017، وإن ذهب نحو 15 بالمئة منها إلى شراء الأراضي والعقارات. وأغلب الظن أن الحكم على الانفتاح على الصين سيتحدد بمصير حزمة مشروعات الطاقة المتجددة والتخزين التي عرضها الأردن على بكين بأكثر من مليار دولار.

في المحصلة، تقول أرقام هذا العام إن الاقتصاد الأردني قادر على امتصاص الصدمات، لكنها تقول أيضاً إنه لم يتمكن بعد من تحويل هذه القدرة إلى نمو يستوعب من يبحثون عن عمل.

مقالات ذات صلة