يوم المدير العالمي 16 تشرين الأول 2026 المدرسة لا تُدار بالتوقيعات: أين تبدأ القيادة وأين تنتهي البيروقراطية؟
بقلم: عمر الدريني
قد تكون السجلات مكتملة، والكتب موقعة، والتقارير مرسلة في مواعيدها، ومع ذلك تبقى المدرسة بحاجة إلى تحسين حقيقي في تجربة الطالب أو أداء المعلم أو جودة البيئة التعليمية، هذه المفارقة تستحق أن نتوقف عندها: هل يكفي أن تنجز الإدارة أعمالها الورقية حتى نقول إن المدرسة تتقدم؟
لا شك أن التنظيم والتوثيق والالتزام بالتعليمات ركائز أساسية لأي مؤسسة تعليمية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح اكتمال المعاملة أهم من أثرها، ويُقاس الإنجاز بما يمكن تسجيله على الورق، لا بما يمكن ملاحظته في الحياة المدرسية.
مدير المدرسة يقف في قلب هذا التحدي، فهو مطالب بمتابعة المعاملات، وتنظيم العمل، والتأكد من الالتزام بالتعليمات، وفي الوقت نفسه قيادة التطوير التربوي، ومساندة المعلمين، وتحليل احتياجات الطلبة، وبناء علاقات إيجابية مع الأسرة والمجتمع المحلي، ولا يمكن الجمع بين هذه الأدوار بكفاءة إذا استهلكت الإجراءات المتكررة معظم الوقت المتاح.
السؤال هنا ليس إن كانت السجلات ضرورية، بل إن كانت الإجراءات الحالية تحقق الغرض المطلوب بأقل عبء ممكن، فإذا كانت البيانات نفسها تُطلب أكثر من مرة، أو كانت التقارير لا تُستخدم في اتخاذ القرارات، أو كانت الموافقات تتأخر دون ضرورة واضحة، فإن مراجعة الإجراءات تصبح ضرورة إدارية لا ترفًا تنظيميًا.
ويمكن البدء بخطوات عملية: حصر الأعمال المتكررة، وتحديد ما يضيف قيمة فعلية، وتوحيد النماذج، وتطوير الأنظمة الرقمية، وتفويض المهام المناسبة إلى فرق المدرسة، وتحديد أولويات واضحة للطلبات التي تصل من الجهات المختلفة، كما ينبغي أن يكون لكل تقرير غرض محدد، ولكل اجتماع نتيجة متوقعة، ولكل إجراء مسؤول معروف وموعد واضح.
لكن الإصلاح لا يكتمل بالتقنية وحدها، فقد تتحول الأنظمة الرقمية نفسها إلى عبء إضافي إذا لم تُصمم وفق احتياجات المستخدمين، أو إذا بقيت الإجراءات القديمة قائمة إلى جانبها، المطلوب أن تبدأ عملية التطوير من فهم العمل الحقيقي، ثم إعادة تصميمه، ثم اختيار الأدوات التي تساعد على إنجازه.
ويحتاج الأمر أيضًا إلى ثقافة إدارية مختلفة، فالمبادرة المهنية ينبغي أن تجد مجالًا للنقاش والتقييم، والمشكلة التي تظهر مبكرًا ينبغي أن تُعالج قبل أن تتفاقم، والتقييم يجب أن يركز على جودة العمل ونتائجه، لا على مظهر الالتزام وحده، وفي الوقت نفسه، لا يجوز استخدام الابتكار ذريعة لتجاوز التعليمات أو إهمال التوثيق الضروري.
إن القيادة التعليمية الحقيقية لا تعني أن يتجاهل المدير التفاصيل، بل أن يعرف أي التفاصيل تستحق تدخله المباشر، وأيها يمكن أن يتولاها فريق العمل، وأيها يحتاج إلى مراجعة إدارية على مستوى أعلى، فالقائد الذي ينشغل بكل معاملة قد لا يجد الوقت الكافي لمراجعة ما يحدث داخل الصفوف،
وعلى الإدارات التعليمية أن تراجع حجم المتطلبات التي تصل إلى المدارس، وأن تنسق بينها، وأن تتيح للمديرين المشاركة في تقييم الإجراءات من واقع تجربتهم، فالميدان التربوي ليس مجرد جهة تنفذ القرارات؛ إنه أيضًا مصدر للمعرفة العملية التي يمكن أن تكشف فرص التطوير.
في يوم المدير، لا ينبغي أن يكون السؤال كم كتابًا وقع المدير، بل ما الذي ساعدت هذه الأعمال على تحسينه، فالإدارة الجيدة لا تلغي الورق الضروري، لكنها تمنعه من ابتلاع الوقت المخصص للتعليم.
قد يثبت التوقيع أن معاملة أنجزت، لكنه لا يثبت وحده أن طالبًا تعلم أكثر أو أن معلمًا تطور أو أن المدرسة أصبحت أفضل. القيادة تبدأ حين تتحول الإجراءات من عبء يستهلك الوقت إلى أدوات تصنع أثرًا يمكن رؤيته وقياسه.
