بقلم: عمر الدريني
في كثير من البيوت، لا يكون الطعام مجرد وجبة تُقدَّم في موعدها؛ إنه لغة محبة، وذاكرة عائلية، وطريقة للتعبير عن الانتماء، وقد اعتادت مجتمعاتنا أن ترى في إعداد الطعام للضيف علامة كرم، لكن المعنى الأعمق للكرم لا يكمن في كثرة ما يوضع على المائدة، بل في احترام الطعام والإنسان والموارد التي جعلت هذه الوجبة ممكنة.
يأتي اليوم العالمي للغذاء في السادس عشر من تشرين الأول ليعيد التذكير بأن الغذاء حق أساسي، وأن الوفرة لا تعني بالضرورة حسن إدارة الموارد، فقد تتسع المائدة بما يفوق حاجة الحاضرين، ثم تُرمى كميات صالحة للاستهلاك، بينما يحتاج آخرون إلى ما يسد جوعهم، وهذه المفارقة لا تدعو إلى إلغاء العادات الجميلة أو التقليل من قيمة الضيافة، بل إلى تطويرها بحيث تجمع بين الكرم والمسؤولية.
لا يحتاج احترام الطعام إلى قرارات معقدة، يمكن للأسرة أن تخطط للوجبات بحسب عدد أفرادها، وأن تقدّم كميات مناسبة مع إتاحة المزيد لمن يرغب، وأن تحفظ الفائض الصالح للاستهلاك بطريقة آمنة، كما تستطيع المناسبات الاجتماعية تنظيم إعداد الطعام بما يقلل الكميات الزائدة، من دون أن يفقد الضيف شعوره بالترحيب أو أن تتحول الضيافة إلى حسابات جافة.
والهدر لا يقتصر على الطعام الذي يبقى في الصحون. فقد يحدث عند شراء منتجات لا نحتاج إليها، أو نسيانها حتى تتلف، أو تخزينها بطريقة غير مناسبة. وكل ذلك يحمل كلفة مالية وبيئية؛ فالغذاء مر بمراحل من الزراعة والري والطاقة والنقل والعمل قبل أن يصل إلى البيت، وحين نهدره، نهدر معه جزءًا من هذه الموارد أيضًا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يُختزل احترام الطعام في مسؤولية الأفراد وحدهم، فالمتاجر والمطاعم ومؤسسات الضيافة تستطيع تحسين إدارة المخزون وتحديد الكميات، وتستطيع الجهات المختصة دعم مبادرات آمنة لتوزيع الفائض الصالح للاستهلاك، كما أن نشر بيانات واضحة عن الهدر يساعد على الانتقال من النصائح العامة إلى إجراءات قابلة للقياس والتطوير.
ويجب أن تتم عمليات التبرع بالطعام ضمن ضوابط تحافظ على سلامته وكرامة المستفيدين، فليس من المقبول أن يُعامل المحتاج بوصفه وسيلة للتخلص من الفائض، أو أن يُطلب منه الظهور في الصور مقابل المساعدة، فالعطاء الحقيقي يضع الإنسان في قلب الفعل، ويصون خصوصيته، ويقدم له غذاءً مناسبًا وآمنًا.
وفي بيوتنا، يمكن أن تبدأ ثقافة جديدة من سؤال بسيط قبل إعداد الوليمة: ما الكمية التي نحتاج إليها فعلًا؟ هذا السؤال لا ينتقص من الكرم، بل يمنحه معنى أعمق؛ إذ يجعل الاحتفاء بالضيف متوافقًا مع احترام النعمة وعدم إهدارها.
في اليوم العالمي للغذاء، لنجعل المائدة مساحة للمحبة لا للهدر، ولنتذكر أن الكرم لا يقاس بما نتركه خلفنا من فائض، بل بما نزرعه من احترام للإنسان والموارد، فالمائدة الأجمل ليست الأكبر دائمًا، بل تلك التي يشبع منها الحاضرون، وتبقى بعدها النعمة مصونة من الضياع.
