كتب_ بلال الذنيبات
في المُجتمعات، وعلى مدار القرون، كان للتعليم والقائمين به-المعلمين، مكانة خاصة بين أوساط الطُلاب وأهاليهم، بل والمجتمع المحيط برمته، وحتى وقت قريب، ما بعد نشأة الدولة الأردنيّة الحديثة، كان للمعلم مكانته في المجتمع، والذي بدأ يخطو خطواته في النمو، بعد الاستقلال الناجز الذي ناله.
وإن عظمه الشاعر أحمد شوقي، واصفًا إياه بحامل الرسالة، وأنه في مصاف الرسُل، فقد أولاه الاسلام اهتمامًا، كيف لا وأن الإسلام حث على العلم وطلبه، وعد طلبة العلم من أبواب الزكاة والصدقات في التعبدات، ما من شأنه أن يشمخ برسالة المعلم، التي لا تقوم للمجتمعات قائمة دونها.
وهذا يتطلب مسؤولية مضاعفة، على الوزارة-وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، والمعلمين، والجامعات والمعاهد، والمجتمع بمؤسساته المختلفة، في أن تصنع المعلم، وأن تنتقي من يتصدرون التعليم، كي يكونوا على خلق وقيم تربوية سمحة، إلى جانب الرفع من سويتهم الأخلاقية كي يتمثلوا ما تستحقه مكانة المعلم والتعليم في المجتمع الأردني.
وإن كان أحد الوزراء، في الماضي القريب، تحدث عن الهندام، ولكن اليوم نرى للأسف، مظاهر يندى لها الجبين، تبدر ممن تصدروا للتعليم، وهم غير مؤهلين أخلاقيا ومسلكيًا لها.
حيث بات المُعلم، يفتقر لكونه قدوة، حيث حطمت "تغيرات ما بعد الحداثة"، القدوات التقليدية في المجتمع الأردني، وباتت وسائل الإعلام وسيما الميديا، تُمعن في تقديم صور نمطية تُسيء للمعلم، وتنتهك حُرمة وقدسية مكانة المعلم-تاريخيا، عندما كان المُعلم "فضيلة"، حيث تحولت العلاقة بين الطالب والمعلم، من علاقة المُربي والإبن، إلى الموظف مقدم الخدمة والمستهلك الطالب للخدمة-وهي العلامة، مع كثير من وقاحة السلوك-من جهة الطالب- أحيانا، مع غياب منظومة الأخلاق والقيم التي تحض على احترام الكبير، والتربية الأسرية الحاثة على احترام الآخر-وليس فقط المعلم، وغياب قيم الحوار، وتكسر العلاقة الودية بين الأسرة والمعلم-تحولها إلى صراعية وانتقامية.
ولا تستقيم جودة التعليم، ما لم تعالج القضايا العالقة، والتي شوهت المعلم قيمة ومكانة وضرورة ناجزة، فلا يجب البقاء آسيري أخطاء الماضي-بعيده وقريبه، والنقابة كانت أكبر خطأ، إلى جانب عدم تنظيم سوق المنصات التعليمية، ومواءمة المستجدات لخدمة مصلحة مكانة وقيمة المعلم.
وبات من الضروري، إعادة ضبط مصنعية العلاقة بين الأسرة والمدرسة، خلال تفعيل آليات التواصل الفعال فيما بينهما، ولا أقول تفعيل مجالس أولياء الطلبة، بل والزيارات المتبادله، في سبيل معالجة الواقع التربوي للأبناء أولا، وقبلها، بناء علاقة ودية تعاونية، تحل محل الصراعية والانتقامية.
وفي القديم، كان الطلبة يتسابقون لحمل حذاء المعلم، في عهد الخليفة هارون الرشيد، ويقبل يده، وكان المعلم "فضيلة"، ﻹرتباط التعليم بالدين في وجدان أبناء القرية والمدينة، وحتى وقت قريب ما قبل نشأة الدولة الأردنية الحديثة، فيما كان يعرف "الكُتاب".
وكان يقول الإسكندر الأكبر-الزعيم اليوناني المشهور، أنه كان يدين ﻷبيه بوجوده، ولمعلمه في نبل وجوده، ما يدل على تساوي مكانة الأب والمعلم قديمًا، ويعلوا عن الأب-في قصة الرشيد وولديه مع معلم ولديه، عندما تسابقا الولدين على حمل نعلي المعلم.
ولكن..ماذا صار الحال اليوم، للأسف تحدرت أخلاقيات "بعض" المعلمين، إلى جانب تحول مهنة التعليم إلى مهنة طاردة، جراء التعسف في فرض القيود على العلاقة بين المعلم والطالب، ومنع التأديب بكافة صوره-البدني واللفظي- بذريعة الإيذاء النفسي، وحتى أن التأديب عند بعض المعلمين خلى من مضمونه، فصار البعض يستخدمونه للتنفيس-من غير حاجة تربوية، الأمر الذي جعل العلاقة بين الأسرة والمعلم صراعية انتقامية، والصالح ذهب بعروى الطالح-كما يقول المثل.
وربما الخطأ الفادح، الذي ارتكبته الأردن، هو التحول نحو نظام الموارد البشرية القائم على التعاقد المؤقت، حيث بات المعلم مجرد مقدم خدمة، ومهدد برزق عيشه، ومعرض للتغول من إدارات لا يهمها المعلم-قيمة ورمزًا، إلى أهالي ينظرون للمعلم كتاجر بطاقات تعليمية، وبأحسن الأحوال مجرد مقدم خدمة عامة-تعتبر تحصيل حاصل، وطلبة فاقدين ﻷية مرجعية تربوية ناضجه تتحمل مسؤوليتهم، ما يصنع أجيال من الأبناء التائهين والفاقدين للقدوة.
كما وتم تحويل الدور التعليمي، من دور إنساني، إلى دور إحصائي يقوم على أرقام الأنصبة والمُنجزات الكمية، ما يغمط الجانب الكيفي، والقيمة المصاحبة للتعليم حقهما، ويحول المعلم من رسالته التعليمية، إلى مجرد موظف "مدخل بيانات رقمية جافة".
هذه الوقائع كُلها، تُشكل عناوين بارزة، تتطلب من الأحزاب، ومؤسسات المجتمع المدني، والباحثين والمفكرين-سيما معلموا علوم النفس والاجتماع، تقديم حلول علمية لها، تتسم بالعملية والواقعية، ما يتطلب عقلية مرنة باحثة عن الحلول، لا مجرد عقلية تسكينية تبحث عن سلامة رأسها من التغيير-الواجب وغير المحتمل ﻷي إبطاء، ﻷن تجاهله يعكس على المجتمع على شكل انحرافات وجرائم بتنا نراها عيانًا في المجتمع.
