الرئيسية / مقالات
مقالات

هل نحن بحاجة إلى قانون يجرّم «البتونة» والقيادة العدوانية على الطرق؟

هل نحن بحاجة إلى قانون يجرّم «البتونة» والقيادة العدوانية على الطرق؟

أحداث المملكة - بقلم كتب أ.د. محمد الفرجات

لم تعد ظاهرة «البتونة» على الطرق الأردنية مجرد سلوك مزعج أو مخالفة مرورية عابرة يمكن أن تنتهي بتحرير مخالفة مالية، بل أصبحت في بعض صورها سلوكاً بالغ الخطورة يعرّض حياة الآخرين للموت.

وهنا لا بد أن نضع السؤال بصراحة أمام المشرّع والجهات المعنية بالسلامة المرورية:

هل نحن بحاجة إلى تشريع أكثر صرامة يجرّم هذه السلوكيات عندما تبلغ درجة تعريض حياة مستخدمي الطريق للخطر؟

الحديث هنا عن ظاهرة نراها على الطرق الداخلية والخارجية، وفي المدن وعلى الطرق السريعة، حين يتعامل بعض السائقين مع الطريق وكأنه ملك خاص لهم، فيتجاوزون المركبات بطريقة متكررة وخطرة، ويتنقلون بين المسارب بصورة مفاجئة، ويفرضون أنفسهم على الآخرين دون اعتبار لسلامتهم أو سلامة مستخدمي الطريق.

لكن الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته القيادة العدوانية لفتح الطريق بالقوة.

سائق يسير خلفك، وأنت ملتزم بالسرعة القانونية، فيبدأ بلطش الأضواء العالية بشكل متكرر، ثم يقترب من مؤخرة مركبتك إلى مسافة مخيفة، وكأنه يريد دفعك إلى مغادرة مسربك بأي ثمن.

وأنت أمام خيارين كلاهما قد يحمل خطراً.

إن بقيت في مسربك، يستمر بالضغط والاقتراب والضوء العالي.

وإن حاولت الانتقال إلى المسرب الأيمن لإفساح الطريق له، فقد تكون هناك شاحنة أو مركبة تسير إلى جانبك، أو في المنطقة العمياء، وقد يؤدي الانتقال المفاجئ إلى اصطدام قاتل لا قدر الله.

أي عقل مروري يقبل أن تتحول قيادة مركبة إلى عملية ابتزاز للسائق الذي أمامك؟

والأخطر أن أصحاب هذا السلوك ليسوا جميعاً من سائقي المركبات الصغيرة؛ فقد تكون المركبة خلفك سيارة أو شاحنة أو مركبة ثقيلة، وبالتالي فإن فارق الكتلة والسرعة والمسافة يجعل نتائج الخطأ أكثر خطورة.

إن الطريق العام ليس حلبة سباق، وليس مكاناً لفرض الإرادة بالقوة.

ومن حق السائق الملتزم بالقانون أن يسير ضمن السرعة والمسرب المسموحين، دون أن يتعرض للضغط أو الترهيب أو الإكراه على تغيير مساره بطريقة قد تعرضه وغيره للخطر.

المطلوب ليس معاقبة السائق السريع فقط

من الخطأ اختزال السلامة المرورية في موضوع السرعة وحده.

هناك سلوكيات قد تكون أخطر من مجرد تجاوز السرعة، لأنها تخلق سلسلة من المخاطر المتتابعة: الاقتراب الشديد من المركبة الأمامية، استخدام الأضواء العالية بصورة عدوانية، تغيير المسارب بصورة مفاجئة، التجاوز من أماكن خطرة، التضييق على المركبات، إجبار السائقين على تغيير مساربهم، والمناورة بين المركبات بطريقة تعرض الجميع للخطر.

هذه السلوكيات ينبغي أن تكون موضع معالجة قانونية واضحة وصريحة عندما تتجاوز حدود المخالفة العادية وتصل إلى مستوى القيادة المتهورة أو العدوانية وتعريض حياة الآخرين للخطر.

«البتونة» ليست مهارة في القيادة

نحتاج أيضاً إلى إعادة النظر في النظرة الاجتماعية إلى «البتونة».

فالسائق الذي يتنقل بين المركبات بسرعة، ويدخل أمام الآخرين بفواصل ضيقة، ويتجاوز بطريقة مفاجئة، ثم يكرر ذلك عشرات المرات خلال الرحلة، لا يمارس «مهارة في القيادة».

إنه ينقل هامش الخطأ من يده إلى أيدي عشرات السائقين حوله.

وقد يكون هو قادراً على السيطرة على مركبته، لكن السائق الآخر قد لا يتوقع ظهوره أمامه فجأة، أو قد يضطر إلى الكبح، أو الانحراف، أو الاصطدام بمركبة أخرى.

الطريق منظومة جماعية، والخطأ فيه لا يدفع ثمنه دائماً من ارتكبه.

وهنا تكمن خطورة «البتونة».

نحتاج إلى نصوص قانونية لا تحتمل التأويل

المطلوب ليس قانوناً فضفاضاً يعاقب السائقين على تقدير رجل الأمن فقط، وإنما نصوص دقيقة تعرف السلوكيات الخطرة وتحدد أركان المخالفة والعقوبات المناسبة لها.

ويجب أن تشمل، بصورة واضحة، السلوكيات التي تتضمن:

- القيادة المتكررة بين المسارب والمركبات بصورة تعرض الآخرين للخطر.
- الالتصاق بالمركبة الأمامية على نحو خطير.
- استخدام الأضواء العالية بصورة متكررة لإجبار السائق أمامه على إخلاء المسرب.
- إجبار مركبة أخرى على تغيير مسربها أو سرعتها بطريقة خطرة.
- التجاوز والمناورة المفاجئة بين المركبات.
- القيادة العدوانية التي تتضمن تضييقاً أو ملاحقة أو تهديداً لمستخدمي الطريق.
- ارتكاب هذه السلوكيات بالمركبات الثقيلة والشاحنات، مع تشديد المسؤولية عندما تكون طبيعة المركبة أو حمولتها تزيد من خطورة الفعل.

كما يجب أن تكون هناك رقابة ذكية وتوثيق إلكتروني باستخدام الكاميرات والرصد المروري، حتى لا تبقى المعالجة قائمة فقط على وجود دورية في المكان واللحظة المناسبة.

لا نريد تشديداً من أجل التشديد

المطلوب ليس تحويل الطرق إلى منظومة عقوبات، وإنما حماية حق المواطن في استخدام الطريق بأمان.

السائق الذي يسير بالسرعة القانونية ليس مطالباً بالمخاطرة بحياته حتى يفسح الطريق لسائق يريد أن يقود بسرعة أكبر.

والسائق الذي أمامه شاحنة أو مركبة أخرى في المسرب المجاور لا يجب أن يوضع أمام خيار مستحيل: إما أن يتحمل الضغط والضوء العالي والالتصاق من الخلف، أو ينتقل إلى مسرب قد يكون مشغولاً بمركبة لا يراها.

هذه ليست قيادة طبيعية.

هذه ممارسة خطرة تفرض المخاطرة على الآخرين.

إن حماية الأرواح على الطرق تبدأ من تغيير مفهومنا للسلامة المرورية: ليست القضية كم مخالفة حررنا اليوم، وإنما كم سلوكاً خطراً منعناه قبل أن يتحول إلى حادث؟

ولهذا فإن الوقت مناسب لفتح نقاش تشريعي جاد حول «البتونة» والقيادة العدوانية، وتعريفهما بصورة دقيقة، وتشديد العقوبة عندما يترافق السلوك مع تعريض واضح لحياة الآخرين للخطر، خصوصاً على الطرق الخارجية وعند قيادة الشاحنات والمركبات الثقيلة.

فالطريق ليس ملكاً للأكثر جرأة، ولا للأسرع، ولا للأكثر عدوانية.

الطريق ملك للجميع.

ومن حق كل مواطن أن يصل إلى بيته سالماً، دون أن يضطر إلى المخاطرة بحياته لأن سائقاً خلفه قرر أن يفتح له الطريق بالقوة.

مقالات ذات صلة