الرئيسية / مقالات
مقالات

ضعوا الكتاب في جدول الحصص

ضعوا الكتاب في جدول الحصص

 

كتب _ فايز الشاقلدي 

لكي تعيش الحياة الأدبية والثقافية في الأردن بصحة جيدة، ولكي يبقى الإبداع قادراً على إنتاج أفكار جديدة لا مجرد استهلاك ما ينتجه الآخرون، فإننا بحاجة إلى وقفة جادة أمام ظاهرة تتسع بصمت وهي تراجع التفكير مقابل الإتكال المتزايد على التكنولوجيا للحصول على المعلومة في لحظة حاجة فقط.

 المشكلة ليست في التكنولوجيا، ولا في الهاتف أو الحاسوب، فهذه أدوات صنعتها البشرية لتسهيل الوصول إلى المعرفة. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأداة إلى بديل عن العقل، وعندما يصبح الإنسان عاجزاً عن البحث والتأمل والتحليل إلا من خلال شاشة تقدم له الإجابة جاهزة.

وهنا تقع مسؤولية النخب الفكرية والسياسية والثقافية، ومعها المعلمون والصحفيون والكتّاب والمؤسسات التعليمية، في مواجهة هذا العقل المتعفّن الذي يكتفي بما يصل إليه سريعاً، ولا يجد في القراءة حاجة أو متعة أو ضرورة لبناء ذاته.

ولعل البداية الأكثر جدية يجب أن تكون من المدرسة نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للقراءة باعتبارها علماً ومهارة أساسية، لا نشاطاً نتركه للطالب إذا وجد وقتاً في فراغه.

 لماذا لا نخصص حصة مدرسية للقراءة ؟ كما نخصص حصصاً للفيزياء والرياضيات والعلوم ولماذا لا تكون هذه الحصة جزءاً أصيلاً من المنهج، ولها كتبها ومناقشاتها وامتحاناتها، وتُحتسب علامتها ضمن المعدل؟

فالطالب يتعامل بجدية مع المادة التي يعرف أن لها مكاناً في تقييمه ومستقبله وإذا أردنا أن نصنع جيلاً قارئاً فعلينا أن نمنح القراءة المكانة نفسها التي نمنحها للمواد الأخرى.

 نريد طالباً يقرأ الأدب والتاريخ والفكر والفلسفة، لا طالباً ينتظر أن تخبره محركات البحث بكل شيء عند الحاجة.

نحن أمام معركة حقيقية على وعي الجيل صنعها الغرب وإذا تركنا أبناءنا وحدهم أمام سيل المحتوى القادم من كل مكان، من دون تأسيس معرفي ونقدي متين، فإننا لا نضمن أنهم سيختارون الأفضل، بل قد يصبحون أسرى للتفاهة ولما هو أكثر انتشاراً ولأفكار الآخرين وأنماط حياتهم.

ليس المطلوب أن نعزل أبناءنا عن الغرب أو عن العالم، فهذا أمر مستحيل وغير مطلوب، المطلوب ألا نكون تبعيين في أفكارنا وسلوكنا ألا نركض خلف كل جديد لمجرد أنه جديد، وألا نلحق بالآخرين كما لو أننا نلاحق ضباً هارباً إلى جحره.

نريد جيلاً ينفتح على العالم، لكنه يعرف نفسه يقرأ الآخر لكنه لا يفقد صوته يستخدم التكنولوجيا، لكنه لا يسمح لها بأن تستخدم عقله.

فالمستقبل لا تصنعه الأجهزة وحدها ولا تصنعه وفرة المعلومات المستقبل تصنعه عقول تقرأ، وتسأل، وتناقش، وتختلف، وتبتكر.

وإذا كنا نريد للأردن أن يكون بلداً حياً أدبياً وثقافياً وفكرياً، فعلينا أن نبدأ من المكان الذي يبدأ منه كل شيء ..المدرسة..والكتاب .. والعقل .

 

 

مقالات ذات صلة