الرئيسية / مقالات
مقالات

حين تصنع الشهرة وهماً بالمعرفة

حين تصنع الشهرة وهماً بالمعرفة

أحداث المملكة - بقلم سمر الخربطلي 

لم يعد غريباً أن يدخل شخص عالم التواصل الاجتماعي بفيديو عابر، أو محتوى خفيف، ثم يستيقظ بعد فترة وهو يتحدث وكأنه أصبح مرجعاً في كل شيء.

المشكلة ليست في الشهرة، ولا في أن ينجح أحد في جذب الجمهور. المشكلة تبدأ عندما يختلط الانتشار بالمعرفة، ويبدأ صاحب الحساب بالتعامل مع شهرته باعتبارها دليلاً على أنه أكثر فهماً من الآخرين.

وهنا تكمن المفارقة.

قد ينجح شخص في صناعة محتوى قائم على يومياته، أو ملابسه، أو تفاصيل حياته، أو مواقف تثير الجدل، فيجد نفسه محاطاً بآلاف المتابعين. وبعد فترة، يبدأ بإعطاء آراء في الاقتصاد والسياسة والصحة والتربية والعلاقات، وكأن الشهرة منحته تلقائياً خبرة في كل هذه المجالات.

ومن يتابع بعض هذه الحسابات يلاحظ أن المحتوى في كثير من الأحيان لا يحمل فكرة جديدة، ولا يقدم معرفة حقيقية، بل يعتمد على الاستعراض والمبالغة وإثارة الفضول. ومع ذلك، يكفي أن يكون صاحب الحساب معروفاً حتى تُمنح كلماته اهتماماً ربما لا تحصل عليه من متخصص قضى سنوات في دراسة الموضوع.

وهذه إحدى مشكلات عصر «المؤثرين»: أصبح الظهور أحياناً أهم من المضمون.

الخوارزميات لا تسأل صاحب المحتوى عن شهاداته، ولا عن سنوات خبرته، ولا عن دقة معلوماته. ما يهمها هو التفاعل: هل شاهد الناس؟ هل علّقوا؟ هل شاركوا؟ هل أثار المحتوى فضولهم؟

وهكذا يمكن لمعلومة سطحية أن تصل إلى ملايين الأشخاص، بينما يبقى المحتوى المتخصص بعيداً عن الأضواء لأنه ببساطة يحتاج إلى قراءة وتركيز، وليس إلى ثوانٍ من التصفح.

والأغرب أن بعض الأشخاص يتغيرون مع الوقت تحت تأثير الشهرة نفسها. يبدأ الأمر بمحتوى بسيط، ثم تتحول الشهرة إلى شعور بالثقة المفرطة، وبعدها يصبح صاحب الحساب مستعداً لإبداء رأيه في أي موضوع، حتى في الأمور التي لا علاقة له بها.

كأن الجمهور الكبير يقول له: أنت تعرف.

وهذا غير صحيح.

الجمهور قد يحبك، يتابعك، يضحك على محتواك، أو يجد في حياتك ما يثير فضوله، لكن ذلك لا يعني أنه منحك خبرة في كل مجالات الحياة.

نحن بحاجة إلى أن نفصل بين الشخص الذي يجيد صناعة المحتوى والشخص الذي يمتلك معرفة حقيقية. قد يجتمع الاثنان في شخص واحد، وهذا رائع، لكنهما ليسا الشيء نفسه.

وليس المطلوب أن يصبح كل محتوى عميقاً أو أكاديمياً؛ فالترفيه جزء طبيعي من المنصات، ولا مشكلة في أن يقدم الإنسان محتوى خفيفاً وممتعاً. المشكلة حين يُقدَّم هذا المحتوى على أنه وعي، وحين تتحول الشهرة إلى منصة لإصدار الأحكام والنصائح في كل شيء.

في النهاية، ليس عيباً أن تكون مشهوراً، وليس عيباً أن يكون محتواك بسيطاً.

العيب أن تصدق أن الشهرة تجعلك تعرف أكثر.

فالكاميرا تستطيع أن تصنع لك جمهوراً، لكنها لا تستطيع أن تصنع لك معرفة.

مقالات ذات صلة