الرئيسية / مقالات
مقالات

لم يعد أبي يحتاجني كما كنت أحتاجه، بل أكثر

لم يعد أبي يحتاجني كما كنت أحتاجه، بل أكثر

أحداث المملكة - بقلم عمر الدريني


كنت أظن أنني عندما كبرت لم أعد أحتاج أبي كما كنت أحتاجه، لم أعد أبحث عن يده لعبور الشارع، ولا أركض إليه كلما أخافتني مشكلة صغيرة، ولا أنتظر منه أن يقرر عني ما أفعله، صار لي عملي، وقراراتي، وأخطائي التي أتحمل نتائجها بنفسي، وظننت أن الحاجة إلى الأب تنتهي عندما يكبر الابن.

ثم اكتشفت أنني كنت أفهم الحاجة بطريقة ناقصة.

فالأب لا يتوقف عن كونه أبًا عندما يتقدم في العمر، والابن لا يتوقف عن كونه ابنًا عندما يستقل بحياته، الذي يتغير هو شكل الاحتياج.

في طفولتي، كان أبي يحتاج أن أكون قريبًا منه لأنه مسؤول عني، أما الآن، فقد يحتاج أن أكون قريبًا منه لأنني أصبحت جزءًا من أمانه، وهذه المسافة بين الحاجتين هي التي لا ننتبه إليها إلا متأخرين.

لم يقل أبي يومًا: «لقد كبرت وأصبحت أحتاجك»، الآباء لا يقولون مثل هذه الجمل غالبًا. يطلبون شيئًا صغيرًا: مرافقة، اتصالًا، مشوارًا، أو مساعدة في أمر اعتادوا القيام به، ثم يعودون إلى الصمت، لكن خلف الطلب الصغير معنى أكبر: وجودك يطمئنني.

وهذه العبارة، لو قالها أبي بصراحة، ربما كانت ستربكني أكثر؛ لأنني كنت معتادًا على العكس، كنت أنا الذي أطمئن بوجوده، كان يكفيني أن أعرف أن أبي في البيت حتى أشعر أن هناك من يمكنني العودة إليه، ثم جاءت الأيام التي فهمت فيها أن الأب نفسه قد يحتاج إلى مكان يعود إليه.

ولا أعتقد أن أصعب شيء في كبر الأب هو ضعف الجسد، الأصعب أن يشعر أن حاجته أصبحت عبئًا على أبنائه؛ أن يتردد قبل أن يطلب، وأن يعتذر عن تكرار السؤال، وأن يخشى أن يكون قد قطع على ابنه وقته.

لهذا فإن رعاية الأب لا تبدأ من اليد التي تساعده، بل من الطريقة التي تجعله يشعر بها وهو يتلقى المساعدة.

هناك فرق بين أن تساعد أباك لأنك ترى أنه لم يعد قادرًا، وأن تساعده لأنك ترى أن بعض الأشياء أصبحت أثقل عليه. الأولى قد تجرح كرامته، والثانية تحفظها.

لا يحتاج أبي أن أقول له إنه أصبح كبيرًا؛ هو يعرف، ولا يحتاج أن أذكّره بما لم يعد يستطيع فعله. يحتاج فقط أن أكون حاضرًا عندما يصبح الطريق أثقل، وأن أبطئ خطواتي قليلًا، وأن أسمع القصة نفسها دون أن أقول: «سمعتها من قبل»، وأن أجيبه للمرة الثالثة عن السؤال نفسه دون أن أجعله يشعر أنه يزعجني.

أن أجلس إلى جواره أحيانًا دون أن يكون هناك سبب.

فالسنوات لا تحتاج دائمًا إلى علاج.

أحيانًا تحتاج إلى رفقة.

وكلما تأملت علاقتي بأبي، أدركت أن ما كنت أسميه في طفولتي «حاجة» لم يكن ضعفًا، وما أسميه اليوم «خدمته» ليس فضلًا مني.

إنها دائرة، هو أعطاني الأمان عندما كنت عاجزًا عن صناعته، وأنا، عندما أستطيع، أعيد إليه بعض ذلك الأمان، ليس لأنني أصبحت أقوى منه، بل لأن الزمن منحني فرصة نادرة لأقول له بالفعل لا بالكلام:

كما كنتَ لي عندما احتجتك، سأكون لك عندما تحتاجني.
وربما لهذا لم يعد أبي يحتاجني كما كنت أحتاجه.
لقد أصبح يحتاجني بطريقة أعمق.
أنا كنت أحتاجه لأعرف كيف أمشي.
أما هو، فيحتاجني أحيانًا فقط كي لا يمشي وحده.
وهذا ليس ضعفًا في أبي، إنه شرف لي.

لأن بعض الآباء لا يطلبون من أبنائهم أن يحملوا أعمارهم.

يكفيهم أن يعرفوا أن الطريق، مهما طال، لن يضطروا إلى قطعه وحدهم.

مقالات ذات صلة