الرئيسية / مقالات
مقالات

جمال البطاينة يكتب ايها الأبوان… لا تخونا أمانة التربية، ولا تفسدا بناء العقول

جمال البطاينة يكتب ايها الأبوان… لا تخونا أمانة التربية، ولا تفسدا بناء العقول

احداث المملكة -

ايها الأبوان… لا تخونا أمانة التربية، ولا تفسدا بناء العقول…

بقلم: جمال البطاينة

كثيرة هي الوقائع التي تجعلك تتوقف طويلًا أمام سؤالٍ موجع:

كيف أنشأنا أبناءنا؟ وكيف أردنا لهم أن يكونوا؟

لقد انشغل بعض الآباء والأمهات بالرعاية، حتى ظنوا أن الرعاية هي التربية؛ فوفّروا الملبس والمسكن والطعام والتعليم، لكنهم أهملوا بناء العقل والضمير والقيم، وتركوا تشكيل الوعي للشارع والشاشات والرفاق.

ثم نتعجّب من المخرجات!

والحقيقة أن المخرجات في كثير من الأحيان ليست إلا صورةً صادقةً للمدخلات.

فالزواج ليس مجرد إشباع غريزة أو تأسيس بيتٍ من حجر، وإنما هو تأسيس إنسان قبل تأسيس بيت؛ وأن تكون أبًا أو أمًا يعني أن تتحمل أمانة صناعة جيل.

وقد وجّه النبي ﷺ الشباب إلى الزواج فقال:

«يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء».

والباءة هنا تتصل بالقدرة على الزواج وما يقتضيه من مؤونة ومسؤولية وقيام بحقوق الأسرة.

ولهذا كان من دعاء الصالحين:

﴿رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.

ومن دعاء عباد الرحمن:

﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾.

تأملوا هذا الدعاء؛ لم يكن الطلب مجرد كثرة الأبناء، وإنما أن يكونوا قرة أعين، وأن يكون الوالدان قدوةً للمتقين.

وقال النبي ﷺ:

«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه».

فتأملوا حجم الأمانة!

فالطفل لا يولد مشروعَ انحراف أو عقوق أو تنمّر، وإنما يأتي إلى الدنيا على الفطرة، ثم تبدأ الأسرة والبيئة في تشكيل شخصيته وبناء وعيه.

ومن هنا، فالتربية ليست أن نطعم أبناءنا ونكسوهم ونرسلهم إلى المدارس والجامعات فقط؛ بل أن نعلّمهم كيف يفكرون، وكيف يميزون، وكيف يحترمون الناس، وكيف يعرفون الحق، وكيف يضبطون شهواتهم، وكيف يتحملون المسؤولية، وكيف يراقبون أنفسهم حين لا يراهم أحد.

أما أن نترك أبناءنا يتلقفون أفكارهم من الشاشات، وقدواتهم من المشاهير، وقيمهم من الشارع والرفاق، ثم نغضب عندما تظهر النتائج؛ فذلك يشبه من يزرع الشوك ثم يشتكي من وخز الأشواك.

أيها الآباء والأمهات:

ليست التربية أن تمنعوا عن أبنائكم الجوع فقط، بل أن تحصنوهم من الانحراف.

وليست أن تبنوا لهم أجسادًا قوية فحسب، بل أن تبنوا عقولًا راشدة وضمائر حيّة.

وليست أن تراقبوا أين ذهبوا فقط، بل أن تزرعوا فيهم من الوعي ما يجعلهم يراقبون أنفسهم حين تغيب الرقابة.

فإذا غابت التربية، فلا نستغرب من مخرجات مؤلمة؛ وإذا قصّر البيت في صناعة الوعي، فسيتولى غيره صناعة الوعي بالنيابة عنه.

وهنا تكمن الخطورة.

فالأبوة والأمومة ليستا صفةً بيولوجية فقط؛ إنهما أمانة ومسؤولية ورسالة.

ومن أنجب طفلًا فقد فتح في بيته مدرسةً جديدة، وعليه أن يسأل نفسه:

ماذا أعلّم هذا الإنسان؟

وماذا أزرع في قلبه؟

وماذا سيبقى منه في الناس إذا غبت؟

إن أخطر ما يمكن أن نتركه خلفنا ليس بيتًا ناقص البناء، ولا مالًا قليلًا، ولا منصبًا زائلًا، بل إنسانًا لم نحسن بناءه.

وقد قال النبي ﷺ:

«إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

فالولد الصالح ليس ثمرةً للحياة الأسرية فحسب، بل قد يكون امتدادًا لعمل الإنسان وأثره بعد موته.

فيا من تطلبون الذرية، لا تسألوا فقط: متى يأتي الولد؟

بل اسألوا قبل ذلك:

هل نحن مستعدون لتربية الإنسان؟

لأن إنجاب الأبناء قد يكون لحظة، أما بناء الإنسان فيحتاج عمرًا كاملًا.

ولذلك، أيها الآباء والأمهات:

خصصوا لأبنائكم وقتًا للحوار والاستماع، وكونوا لهم قدوةً قبل أن تكونوا موعظة، وتابعوا ما يشاهدون ومن يصاحبون، وعلّموهم الدين والأخلاق والتفكير وتحمل المسؤولية، وضعوا لهم حدودًا واضحة، وصححوا أخطاءهم دون إهانة أو تحطيم.

ازرعوا فيهم اليوم ما تحبون أن تحصدوه غدًا؛ فأنتم لا تبنون أبناءً لبيوتكم فقط، بل تبنون إنسانًا للحياة، وأثرًا قد يبقى لكم بعد الرحيل.

مقالات ذات صلة