أحداث المملكة -بقلم عمر الدريني
المواطن الذي يدخل دائرة حكومية لا يحمل معه ملفًا من الأوراق فقط؛ يحمل وقتًا محدودًا، وحاجة يريد إنجازها، وأحيانًا قلقًا من أن تتحول معاملته البسيطة إلى رحلة طويلة بين المكاتب، وهو في الغالب لا يعرف من اختار المدير، ولا كيف وُزعت المسؤوليات، ولا ما إذا كان الموظف الذي يجلس أمامه قد تلقى التدريب الكافي، ولا إن كانت الإجراءات مصممة بكفاءة، كل ما يعرفه هو ما يراه أمامه: موظف يستمع أو لا يستمع، معاملة تسير أو تتعثر، إجابة واضحة أو غامضة، وطابور يتقدم بصورة طبيعية أو يبدو وكأنه لا يعرف إلى أين يتجه، ولهذا فإن المواطن هو في النهاية الاختبار الأكثر وضوحًا لأي إدارة؛ لأنه لا يقرأ الهيكل التنظيمي، بل يعيش نتائجه.
قد تتحدث المؤسسة عن الخطط والاستراتيجيات والأهداف، وقد تمتلئ المكاتب بالتعاميم والتعليمات، لكن المواطن يختصر كل ذلك في سؤال بسيط: «هل أُنجزت معاملتي بعدالة ووضوح وفي الوقت المعقول؟»، وإذا كانت الإجابة نعم، فإن كثيرًا من التفاصيل الإدارية تبقى في خلفية المشهد، أما إذا كانت الإجابة لا، فإن المواطن يبدأ في البحث عن تفسير، لماذا تتعطل معاملتي؟ لماذا تختلف الإجابة من مكتب إلى آخر؟ لماذا يحتاج الأمر الذي يفترض أن يكون واضحًا إلى معرفة شخصية أو تدخل من شخص آخر؟ هنا تبدأ المشكلة التي تتجاوز المعاملة نفسها، لأن المواطن لا يتعامل مع حالة فردية فقط؛ بل يبدأ بتكوين صورة عن المؤسسة كلها.
والواسطة، في معناها الذي يتجاوز حق الآخرين أو يتخطى الإجراءات العادلة، لا تضر فقط بالشخص الذي لم يحصل على حقه؛ إنها تغير سلوك المجتمع تجاه المؤسسة، فعندما يعتقد الإنسان أن الطريق النظامي طويل، وأن الطريق الشخصي أقصر، يصبح السؤال الطبيعي بالنسبة إليه: لماذا أنتظر؟ ومن هنا تتحول الواسطة من تصرف فردي إلى ثقافة يمكن أن تتوسع إذا لم يجد الناس نظامًا واضحًا يطمئنهم إلى أن حقوقهم لا تحتاج إلى معرفة شخصية كي تصل إليهم.
لكن المسؤولية لا تقع على الموظف الموجود خلف الشباك وحده، فالموظف يعمل ضمن نظام، والنظام تحدده إجراءات وصلاحيات وتوزيع للمهام وأساليب إشراف، قد يكون الموظف نفسه حريصًا على خدمة الناس، لكنه يجد أمامه إجراءً معقدًا أو صلاحية محدودة أو تعليمات متداخلة، وقد يكون موظف آخر صاحب نية جيدة، لكنه لم يحصل على التدريب الكافي للتعامل مع الحالات المختلفة، لذلك فإن تحسين الخدمة الحكومية لا يتحقق فقط بمطالبة الموظف بأن يكون أكثر لطفًا أو سرعة، وإنما بفحص البيئة التي يعمل داخلها: هل الإجراءات واضحة؟ هل الصلاحيات موزعة بصورة منطقية؟ هل يستطيع الموظف اتخاذ القرار الذي يدخل ضمن مسؤوليته؟ وهل يعرف المواطن مسبقًا ما المطلوب منه؟
وهنا يعود بنا المشهد إلى قضية «الرجل غير المناسب في المكان الخطأ»، فالمواطن قد لا يعرف أن ضعف الخدمة أمامه مرتبط باختيار إداري سابق، لكنه يشعر بالنتيجة، إذا تولى شخص موقعًا يحتاج إلى مهارات لا يمتلكها، فقد تتأخر القرارات، وتتضخم التفاصيل الصغيرة، ويصبح الموظفون أكثر ترددًا في المبادرة، ويجد المواطن نفسه في نهاية السلسلة أمام خدمة أبطأ وأكثر تعقيدًا، ليست كل مشكلة في الخدمة دليلًا على سوء اختيار المدير، بالطبع، لكن القيادة تؤثر في طريقة تنظيم العمل، وفي قدرة المؤسسة على معالجة الاختناقات بدل التعايش معها.
كما أن الموظف الكفؤ يمثل حلقة أساسية في هذه المعادلة، فعندما يعرف الموظف عمله جيدًا، ويمتلك المعلومات والصلاحيات المناسبة، ويشعر أن أداءه يُقاس بمعايير واضحة، يصبح أكثر قدرة على تقديم إجابة دقيقة للمواطن، أما عندما يشعر أن الاجتهاد لا قيمة له، وأن المبادرة قد تجلب له المسؤولية أكثر مما تجلب له التقدير، فقد يختار الطريق الأكثر تحفظًا: «نفذ التعليمات فقط»، وهذا السلوك قد يكون مفهومًا من زاوية الموظف، لكنه ينعكس في النهاية على المواطن الذي يبحث عن خدمة مرنة ومنظمة في الوقت نفسه.
ولذلك فإن مكافحة الفساد الإداري لا تبدأ فقط من الملفات الكبيرة التي تتصدر الأخبار، تبدأ أيضًا من التفاصيل التي تبدو صغيرة: موعد واضح، معلومة دقيقة، دور محفوظ، إجراء منشور، شكوى تجد طريقها، موظف يعرف صلاحياته، مدير يتابع النتائج، وقرار يمكن تفسيره، فكلما كانت الإجراءات واضحة وقابلة للتتبع، تقل المساحات التي تسمح بالغموض، وتقل معها الحاجة إلى البحث عن «واسطة» لفهم ما يفترض أن يكون معروفًا للجميع.
والأمر لا يتعلق فقط براحة المواطن، الإدارة العامة في جوهرها علاقة ثقة بين الفرد والمؤسسة، فالمواطن يدفع من وقته، ويلتزم بالقوانين، ويقدم الوثائق المطلوبة، ومن حقه أن يعرف أن معاملته ستعامل وفق معيار لا يتغير بتغير الاسم أو المعرفة أو الحضور الشخصي، وعندما يشعر بذلك، يصبح احترام النظام أسهل؛ لأن الإنسان يميل إلى الالتزام بالقواعد عندما يرى أن القواعد نفسها تطبق عليه وعلى غيره بصورة عادلة.
ولعل أهم ما تحتاجه المؤسسات هو أن تنظر إلى الشكوى لا باعتبارها إزعاجًا، وإنما باعتبارها معلومة، فالمواطن الذي يقول إن الإجراء غير واضح يقدم للمؤسسة إشارة، والذي يكرر أن معاملته تنتقل بين أكثر من مكتب يكشف احتمال وجود خلل في مسار الخدمة، والذي يسأل لماذا يحتاج إجراء بسيط إلى وقت طويل يضع أمام الإدارة سؤالًا يستحق الدراسة، ليس كل اعتراض صحيحًا بالضرورة، وليس كل شكوى دليلًا على خلل مؤسسي، لكن تجاهل الشكاوى كلها يعني إضاعة واحدة من أهم أدوات التعلم الإداري.
في النهاية، المواطن لا يريد إدارة مثالية لا تخطئ؛ يريد إدارة تعرف كيف تصحح الخطأ، وكيف تفسر الإجراء، وكيف تحفظ حقه، وكيف تجعل الطريق النظامي مفهومًا ومتاحًا، خلف كل شباك حكومي هناك إنسان يخدم إنسانًا آخر، وبينهما تقف منظومة كاملة من القرارات والأنظمة والثقافة الإدارية، وإذا أردنا إصلاح الإدارة فعلينا ألا نسأل فقط: «هل أنجز الموظف معاملته؟» بل نسأل السؤال الأوسع: ماذا شعر المواطن وهو يغادر؟ هل شعر أن المؤسسة حفظت حقه، أم شعر أنه كان بحاجة إلى معرفة شخص كي يحصل على ما يستحقه؟
ذلك الشعور البسيط قد يكون أصدق تقرير أداء لأي مؤسسة؛ لأن المواطن لا يرى ما خلف المكاتب، لكنه يرى أثره كاملًا عندما يقف أمام الشباك.
