أحداث المملكة - بقلم- المهندس أحمد نضال عواد
لا تُقرأ خطابات الملوك بما تقوله فقط، بل بما تؤسسه من معانٍ، وما تستشرفه من تحولات. ومن هذه الزاوية، فإن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين يحفظه اللّه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في 22 أيلول 2026، يتجاوز كونه عرضاً للموقف الأردني من أزمات المنطقة، ليقدم قراءة أوسع للبيئة الاستراتيجية المحيطة بالأردن، وللتحولات التي يشهدها الإقليم، وللتحديات التي تواجه النظام الدولي في التعامل مع النزاعات الممتدة. وقد تناول الخطاب بصورة مباشرة قضايا فلسطين، وسوريا، وأمن الحدود الشمالية، والأمن المائي، ودور المجتمع الدولي في منع تحول الأزمات إلى وقائع دائمة.
ومن زاوية القيادة، يكتسب الخطاب دلالته أيضاً من تعدد الأدوار التي يجسدها جلالة الملك عبدالله الثاني؛ فهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وقائد سياسي يحمل مسؤولية إدارة حضور الأردن ومصالحه في بيئة إقليمية ودولية شديدة التعقيد وسريعة التغير، وصاحب رؤية إنسانية تربط الموقف السياسي بحماية الإنسان والاستجابة لمعاناته. وهذا التداخل بين الأدوار الثلاثة يمنح الخطاب بعداً يتجاوز التعبير السياسي إلى صياغة رؤية متكاملة للقوة الوطنية؛ فالأمن والدبلوماسية والعمل الإنساني ليست مسارات منفصلة، وإنما أدوات متكاملة في إدارة الأزمات وحماية المصالح الوطنية.
ويمكن قراءة الخطاب على ثلاثة مستويات مترابطة: مستوى المصالح والأمن الوطني الأردني، ومستوى التحولات الجيوسياسية في الإقليم، ومستوى التحديات التي تواجه النظام الدولي وآليات إنفاذ القانون الدولي.
ومن أبرز ما يلفت في الخطاب وضع مفهوم «الانتباه» في قلب القراءة السياسية؛ فالمجتمع الدولي يواجه أزمات متزامنة ومتسارعة، وما يختار أن يبقيه في دائرة الاهتمام يحظى بقدر أكبر من الجهد السياسي والدبلوماسي، بينما قد تفقد الأزمات التي تتراجع عن دائرة الاهتمام جزءاً من الضغط الدولي المحيط بها. وقد ربط جلالة الملك ذلك بخطر تحول المعاناة والوقائع المرفوضة مع مرور الوقت إلى أمور مألوفة.
وهنا ينتقل «الانتباه» من كونه مفهوماً إعلامياً إلى كونه مورداً جيوسياسياً؛ لأن إدارة الاهتمام الدولي قد تؤثر في مستوى الضغط السياسي، وفي استمرار الحضور الدبلوماسي، وفي قدرة المجتمع الدولي على منع الأزمات من التحول إلى وقائع مستدامة. ومن هذه الزاوية، تصبح المسألة الأهم ليست فقط ما يحدث، وإنما كيف يتغير إدراك العالم لما يحدث.
وتكمن خطورة «الوقائع التراكمية» في أن الوقائع الاستراتيجية لا تتغير دائماً بقرار واحد أو حدث مفصلي؛ ففي بعض الحالات، تتشكل عبر سلسلة من الخطوات الصغيرة: تغيير محدود، ثم اختبار لردود الفعل، ثم خطوة جديدة، إلى أن يتغير الواقع على الأرض قبل أن يتغير الموقف السياسي تجاهه. وهنا يصبح كل تغيير جديد أكثر قبولاً من سابقه، إلى أن يتحول الواقع المستحدث إلى أمر يصعب التراجع عنه.
ومن منظور استراتيجي، فإن أهمية هذه الفكرة تتجاوز القضية الفلسطينية نفسها؛ لأنها تنقل التفكير من مراقبة الأحداث إلى مراقبة الاتجاهات. فالإنذار المبكر لا يبدأ عندما يكتمل الخطر، وإنما عندما تظهر مؤشرات تشير إلى اتجاه قد يقود إليه. ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام صانع القرار ليس فقط اكتشاف الأزمة، بل اكتشاف المسار الذي قد ينتج الأزمة قبل اكتماله.
وفي هذا السياق، لم يتعامل الخطاب مع غزة والضفة الغربية باعتبارهما مسارين منفصلين، بل وضعهما ضمن سياق أوسع يتعلق بمستقبل القضية الفلسطينية واستقرار المنطقة. ففي غزة تستمر تداعيات الحرب الإنسانية والسياسية، بينما تشهد الضفة الغربية تطورات مرتبطة بالاستيطان والعنف ومصادرة الأراضي والتهجير. وقد حذر جلالة الملك في خطابه من مخاطر التهجير القسري والتوسع الاستيطاني، وربط هذه التطورات بمستقبل القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي.
وهنا تظهر قيمة القراءة الاستراتيجية التي لا تكتفي بوصف كل أزمة على حدة، وإنما تبحث عن العلاقة بين الأزمات، وعن كيفية انتقال آثارها من مسرح إلى آخر.
ويحمل الخطاب أيضاً بعداً مهماً على مستوى اللغة السياسية؛ فالمصطلحات في العلاقات الدولية ليست مجرد أدوات لوصف الواقع، بل يمكن أن تؤثر في كيفية فهمه والتعامل معه سياسياً وقانونياً وأخلاقياً. ومن هنا جاء التأكيد على ضرورة تسمية الوقائع بمسمياتها، ورفض اختزال الصراع في إطار ديني، وإعادته إلى قضايا الحقوق والكرامة الإنسانية والعدالة. وقد شدد الخطاب على أن الصراع ليس دينياً، وعلى ضرورة حماية حقوق الإنسان وكرامته.
وهذا يمثل أحد أبعاد القوة الناعمة الأردنية: القدرة على تقديم الموقف الوطني بلغة تستند إلى مبادئ وقيم ذات قبول دولي، مثل القانون الدولي، وحماية المدنيين، وحقوق الإنسان، وحرية الأديان. وفي بيئة دولية تتنافس فيها الروايات بقدر تنافس الدول على المصالح، يصبح الاتصال الاستراتيجي جزءاً من القوة الوطنية، لا مجرد نشاط إعلامي.
وفي مستوى آخر، يلفت الخطاب إلى الفجوة بين وجود أدوات النظام الدولي وبين القدرة على استخدامها بفاعلية. فالقانون الدولي والمؤسسات الدولية تمتلك، من حيث المبدأ، أدوات سياسية وقانونية واسعة، لكن استمرار الأزمات دون حلول يطرح سؤالاً أعمق حول قدرة النظام الدولي على تحويل القواعد والمبادئ إلى نتائج ملموسة.
وهذه المسألة لا تقتصر على القضية الفلسطينية؛ لأن تراجع الثقة في فاعلية القواعد الدولية يمكن أن ينعكس على ملفات أخرى تتصل بالأمن والطاقة والغذاء والهجرة والتغير المناخي والاستقرار الاقتصادي. ومن هنا فإن الدفاع عن فاعلية النظام الدولي ليس موقفاً قانونياً فقط، بل هو أيضاً دفاع عن بيئة دولية أكثر قابلية لإدارة الأزمات ومنع تحولها إلى صراعات ممتدة.
أما على مستوى الأمن الوطني الأردني، فتبرز الرسالة المتعلقة بالحدود الشمالية والأمن المائي باعتبارها من أكثر رسائل الخطاب وضوحاً. فقد أكد جلالة الملك بوضوح أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني، وأن الأردن لن يشيح بنظره عن حماية أمنه ومياهه ومصالح شعبه.
وهذه الرسالة تعكس توسع مفهوم المحيط الأمني الأردني. فالتطورات في جنوب سوريا لا تُقرأ باعتبارها شأناً سورياً داخلياً أو ملفاً إقليمياً منفصلاً، وإنما باعتبارها جزءاً من البيئة الأمنية المباشرة للأردن، خصوصاً عندما تتصل بأمن الحدود أو الموارد أو حركة السكان أو النشاطات غير المشروعة.
وهنا يتحول الماء من مورد اقتصادي إلى عنصر من عناصر السيادة والأمن الوطني. ففي دولة محدودة الموارد المائية، لا يمكن فصل الأمن المائي عن الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية. لذلك فإن حماية الأمن المائي لا تعني فقط زيادة الموارد، وإنما تقليل نقاط الضعف، وتنويع المصادر، ورفع كفاءة الاستخدام، وتعزيز البنية التحتية، وربط سياسات المياه بالطاقة والغذاء والاقتصاد والأمن.
وفي الجانب الأمني، حمل الخطاب رسالة دقيقة عندما أكد جلالة الملك أن تمسك الأردن بالدبلوماسية لا ينبغي أن يؤخذ كأمر مفروغ منه، ولا أن يُفسر على أنه ضعف. وهذه الرسالة تعكس قاعدة مهمة في التفكير الاستراتيجي: الدبلوماسية الفاعلة تحتاج إلى قوة وطنية تدعمها، كما أن القوة الوطنية تحتاج إلى دبلوماسية قادرة على توظيفها.
فالاعتدال لا يعني غياب القدرة، والانفتاح على الحوار لا يعني التخلي عن المصالح الوطنية، والدبلوماسية ليست بديلاً عن الجاهزية الدفاعية والأمنية، وإنما تعمل إلى جانبها ضمن منظومة أوسع للقوة الوطنية. ومن هنا، فإن القوة الوطنية الأردنية لا تُقاس بالقدرة العسكرية وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تشمل الجانب العسكري والأمني، والدبلوماسية، والاقتصاد، والمعلومات، والتماسك المجتمعي، والقدرة على الصمود.
وتتداخل في الخطاب مجموعة من المصالح الأردنية العليا: حماية أمن الحدود، ورفض التهجير والوطن البديل، وحماية الأمن المائي، ودعم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس حل الدولتين، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والحفاظ على الوصاية الهاشمية، ودعم صمود الفلسطينيين، ومكافحة الإرهاب والتهريب، إلى جانب حماية الاقتصاد الوطني من تداعيات الصدمات الإقليمية.
ومن منظور الأمن الوطني، فإن هذه الملفات ليست منفصلة عن بعضها. فالتهجير، على سبيل المثال، ليس مجرد قضية سياسية أو إنسانية، وإنما يحمل أبعاداً ديموغرافية وأمنية وإقليمية، ولذلك ينظر الأردن إلى منع أي تغيير ديموغرافي قسري في الضفة الغربية باعتباره جزءاً من حماية أمنه الوطني واستقرار المنطقة.
ويقدم الخطاب الأردن باعتباره دولة قادرة على توظيف موقعها الجغرافي الاستراتيجي في خدمة التجارة والاقتصاد والاستقرار الإقليمي. ومن منظور الجيوبوليتيك المعاصر، لا تكمن أهمية الأردن في موقعه الجغرافي وحده، وإنما في ما يمر عبر هذا الموقع من تدفقات ومسارات استراتيجية.
فالجغرافيا السياسية التقليدية ركزت بدرجة كبيرة على الأرض والحدود والموقع، بينما أصبح الجيوبوليتيك المعاصر أكثر ارتباطاً بالقدرة على التأثير في حركة الأشخاص، والتجارة، والطاقة، والمياه، ورؤوس الأموال، وسلاسل الإمداد، والمعلومات، والتدفقات.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الأردن بوصفه نقطة اتصال بين أقاليم وممرات متعددة، بحيث تتحول جغرافيته من مجرد موقع إلى وظيفة استراتيجية. فاستقرار الحدود، وأمن الممرات، وحركة التجارة والطاقة، وحركة السكان، والاتصال الرقمي، كلها تدفقات يمكن أن تحمل فرصاً اقتصادية، لكنها في الوقت ذاته قد تنقل الأزمات والمخاطر عبر الحدود.
ومن هنا فإن قيمة الموقع الأردني لا تُقاس فقط بمكانه على الخريطة، وإنما بقدرته على إدارة هذه التدفقات وحمايتها وتوظيفها وتحويلها إلى مصادر قوة وطنية. وبذلك يصبح السؤال الجيوبوليتيكي ليس فقط: «من يسيطر على الأرض؟»، وإنما أيضاً: «من يستطيع التأثير في مسارات التدفقات التي تعبرها؟».
لكن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى قوة استراتيجية؛ وإنما تصبح قيمته أعلى عندما تمتلك الدولة القدرة على حماية التدفقات التي تمر عبره، وتوجيهها، وتنويعها، وتحويلها إلى قيمة اقتصادية وأمنية وسياسية. وهذا يتطلب بنية تحتية، وشبكات نقل وطاقة، وقدرات بشرية، واستقراراً سياسياً، وبيئة اقتصادية قادرة على استثمار الفرص.
وهنا يلتقي الأمن بالاقتصاد: فالاقتصاد المرن يعزز قدرة الدولة على الصمود، والاستقرار الأمني يحمي قدرتها على النمو والاستثمار.
كما تظهر الموثوقية الأردنية كأصل استراتيجي. فالثبات على المواقف والمبادئ، والوفاء بالالتزامات، والانفتاح على الحوار، وبناء الشراكات، كلها عناصر تمنح الدولة مساحة أكبر للحركة في بيئة دولية سريعة التغير.
والثبات الاستراتيجي لا يعني الجمود في الأدوات؛ بل يعني القدرة على الحفاظ على المصالح والثوابت مع تطوير الوسائل المستخدمة لحمايتها. ومن هنا، فإن الموثوقية ليست قيمة معنوية فقط، بل يمكن أن تتحول إلى رأسمال سياسي ودبلوماسي يساعد الدولة على بناء الشراكات، وإدارة الأزمات، وتعزيز قدرتها على التأثير.
ومن منظور نظريات العلاقات الدولية، يمكن قراءة الخطاب باعتباره مقاربة مركبة؛ فهو واقعي في تأكيده على القوة والتهديد والمصالح الوطنية وحماية الحدود، وليبرالي مؤسسي في دفاعه عن القانون الدولي والمؤسسات والاتفاقيات، وبنائي في إدراكه لأهمية اللغة والرواية والانتباه في تشكيل إدراك المجتمع الدولي للواقع.
كما يعكس نظرية الدور الوطني من خلال تقديم الأردن بوصفه دولة تؤدي أدواراً متعددة في آن واحد: شريكاً في السلام، ودولة مواجهة للإرهاب والتهريب، وحامياً للمقدسات، ودولة تتحمل أعباء إنسانية إقليمية، وشريكاً في دعم الاستقرار والتنمية. وهذا التداخل بين الأدوار يعكس طبيعة الدولة الأردنية في بيئة إقليمية لا تسمح بالفصل الحاد بين الأمن والسياسة والاقتصاد والدبلوماسية.
أما البعد الأهم في الخطاب من زاوية التفكير الاستراتيجي، فيكمن في الانتقال من التعامل مع الأحداث إلى قراءة الاتجاهات التي قد تنتج عنها واستشراف المستقبل. فالربط بين التطورات في جنوب سوريا والأمن الأردني، وبين غزة والضفة الغربية ومستقبل القضية الفلسطينية، وبين الأزمات الإقليمية والطاقة والغذاء والتجارة، يعكس ضرورة النظر إلى البيئة الاستراتيجية باعتبارها منظومة مترابطة.
والخطر الاستراتيجي الأكبر ليس دائماً انفجاراً مفاجئاً؛ فقد يكون التآكل البطيء أكثر خطورة، لأنه يحدث تدريجياً، ولا ينتج بالضرورة لحظة واحدة تستدعي استجابة دولية حاسمة. ومن هنا تبرز أهمية الإنذار المبكر، ليس باعتباره مجرد رصد للأحداث، وإنما باعتباره قدرة على اكتشاف المؤشرات، وقراءة الاتجاهات، وتحديد نقاط التحول قبل أن تصبح خيارات الدولة أكثر ضيقاً.
وهنا نصل إلى الجبهة الداخلية. فالأمن الوطني في القرن الحادي والعشرين لا يعتمد فقط على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وإنما يشمل أيضاً قدرة الاقتصاد على الصمود، وقدرة المؤسسات على الاستجابة، وقدرة المجتمع على التماسك، وقدرة الشباب على امتلاك المهارات التي يحتاجها اقتصاد المستقبل.
ومن هنا، فإن تمكين الشباب، وتوليد فرص العمل، وتعزيز التعليم والتدريب المهني، ودعم ريادة الأعمال، والتحول الرقمي، ليست ملفات اقتصادية واجتماعية منفصلة عن الأمن الوطني، بل مكونات من منظومة المناعة الوطنية.
وبعيداً عن منصة الخطاب، حملت صورة من كواليس اجتماعات الأمم المتحدة رسالة لا تقل دلالة عن مضمونه؛ إذ ظهر جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني يحفظهما اللّه يشاركان فريقهم وجبة سريعة بين الاجتماعات، في مشهد عفوي بعيد عن البروتوكول. ومن زاوية القيادة، فإن مثل هذه التفاصيل ليست هامشية؛ فالقيادة الفاعلة في البيئات المعقدة لا تقوم على إصدار التوجيهات فحسب، وإنما على بناء الثقة وروح الفريق وتقدير الجهد الجماعي، وهي عناصر تنعكس مباشرة على كفاءة الأداء الدبلوماسي وقدرة الفريق على العمل تحت الضغط. كما يعكس حضور سمو ولي العهد إلى جانب جلالة الملك في هذه المحافل الدولية استمرارية النهج وانتقال الخبرة بين الأجيال، بما يعزز الثبات الاستراتيجي والموثوقية التي أشار إليها الخطاب. وهنا تلتقي الصورة مع الرسالة: فالدولة التي تواجه زمن الوقائع المفروضة بدبلوماسية نشطة وجبهة داخلية متماسكة، تستمد جزءاً من قوتها من قيادة قريبة من فريقها وشعبها، تجعل من التواضع نهجاً، ومن العمل المشترك أداة، ومن الأردن الأولوية الأولى دائماً.
وفي المحصلة، يمكن تلخيص المقاربة التي يعكسها خطاب جلالة الملك بمفهوم «الصمود النشط»: ثبات في الثوابت، ومرونة في الأدوات، واستعداد مبكر للمخاطر، وتمسك بالدبلوماسية دون إغفال متطلبات الردع، وانفتاح على الحوار دون التفريط بالمصالح الوطنية.
والصمود هنا لا يعني انتظار الصدمة ثم التعامل معها، بل بناء القدرة على اكتشافها مبكراً، وامتصاص آثارها، والتكيف معها، والتأثير في مسارها متى أمكن.
فالخطاب لم يكن مجرد عرض للموقف الأردني من أزمات المنطقة، بل محاولة لوضع هذه الأزمات داخل إطار استراتيجي أوسع، يرى العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والأمن والاقتصاد والمياه والجبهة الداخلية.
وهنا تكمن الرسالة الأعمق: فالمستقبل لا يتشكل فقط بما نفعله، وإنما أيضاً بما نختار أن نتجاهله.
بالنسبة إلى الأردن، فإن الإجابة الاستراتيجية على هذه المعادلة لا تكمن في انتظار ما سيحدث، وإنما في بناء القدرة على التأثير في ما سيحدث. وهذه القدرة تبدأ من دبلوماسية نشطة، واتصال استراتيجي مؤثر، وجاهزية أمنية ودفاعية، وأمن مائي وطاقي وغذائي أكثر صلابة، واقتصاد قادر على الصمود، وجبهة داخلية متماسكة.
ومن هذه الزاوية، فإن خطاب نيويورك يمكن قراءته بوصفه رسالة استراتيجية واضحة: الأردن يعرف ما الذي يريد حمايته، ويدرك أن البيئة المحيطة به تتغير، ويرفض أن تتحول الوقائع المفروضة إلى حقائق نهائية.
فالمعركة الاستراتيجية لا تبدأ عندما يصبح الخطر واقعاً، وإنما تبدأ عندما ندرك اتجاهه، ونقرر ألا نسمح له بأن يصبح واقعاً مفروضاً.
حفظ الله أردننا الغالي واحة أمن واستقرار وتنمية وازدهار، وحفظ الله قواتنا المسلحة الباسلة الجيش العربي والأجهزة الأمنية في ظل قيادتنا الهاشمية الحكيمة الملهمة، ولنتذكر دائماً أن النجمة السباعية في علم بلادي تستحق منا جميعاً الأفضل دائماً.
