الرئيسية / مقالات
مقالات

شريعة الغاب أم عدالة القانون؟.. الملك يعري عجز المنظومة الدولية من منبر الأمم المتحدة بقلم الدكتور محمد نور الكردي

شريعة الغاب أم عدالة القانون؟.. الملك يعري عجز المنظومة الدولية من منبر الأمم المتحدة بقلم الدكتور محمد نور الكردي


في عالم تتسارع فيه التحولات وتتداخل الأزمات، يقف النظام الدولي اليوم أمام اختبار أخلاقي وقانوني مصيري. ومن قلب منبر الأمم المتحدة، جاء الخطاب التاريخي لجلالة الملك عبدالله الثاني ليضع العالم أمام مرآة الحقيقة العارية، متسائلاً بعمق: هل ما زلنا نحتكم إلى عدالة القانون الدولي، أم انزلقنا بالكامل إلى شريعة الغاب حيث القوة هي المعيار الوحيد؟
لقد كشف الملك بوضوح صارخ زيف التبريرات التي تسوقها القوى الكبرى بشأن شلل المؤسسات الأممية وعجزها عن تطبيق قراراتها متى تعلق الأمر بالشعوب المستضعفة. وفند جلالته هذه الادعاءات مؤكداً أن المنظومة الدولية تمتلك ترسانة هائلة من الأدوات المؤثرة — كالعقوبات، وتجميد الأصول، والعزل الدبلوماسي — التي تُوظَّف بكفاءة فائقة في أزمات أخرى، بينما تتبخر حين يتعلق الأمر بإلزام قوة الاحتلال باحترام الشرعية الدولية، مما يهدم أسس السلم العالمي ويهدد ما تبقى من ثقة عالمية.
وفي محطة بارزة أخرى، تصدى الخطاب الملكي لما يُعرف بـ "لغة التطهير اللفظي" التي تتعمد الدوائر الإعلامية والسياسية الغربية استخدامها لتطبيع الجريمة وتوسيم الإبادة بمصطلحات مضللة مثل "عنف المستوطنين الفردي". كما حطّم الملك "وهم" فصل مسارات غزة عن الضفة الغربية، مؤكداً أنهما جزء لا يتجزأ من نظام قمع واحتلال متكامل، ومشدداً على أن الصراع في جوهره ليس دينياً بل هو حقوق مسلوبة لشعب يبحث عن كرامته وحريته.
ولم يقتصر الطرح على نقد الواقع الدولي، بل رسم حدوداً استراتيجية قاطعة محذراً من التداعيات الخطيرة للسياسات الإسرائيلية التوسعية في الإقليم، ومؤكداً أن أي تهديد للأمن المائي أو للحدود الشمالية هو تهديد مباشر للأمن القومي الأردني الذي لن يقف مكتوف الأيدي حياله. وفي هذا السياق، جدد الملك الالتزام الراسخ بالوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والدعم المطلق للأشقاء الفلسطينيين ووكالة "الأونروا"، مبيناً أن جنوح الأردن الدائم نحو الدبلوماسية والسلام العادل لا يعني بحال الاستكانة للظلم.
في الختام، يثبت الأردن يوماً بعد يوم، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، أنه الحصن المنيع الذي لايساوم على المبادئ، والنافذة التي تطل من خلالها الشعوب المستضعفة نحو مستقبل تسوده عدالة القانون لا غطرسة القوة. فالتمسك بالثوابت القومية، وفي مقدمتها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ليس مجرد أداء لواجب تاريخي، بل هو درع حصين يذود عن الهوية العربية وحقوق أصحاب الأرض الشرعيين. وبهذا الموقف الراسخ، يرسل الأردن رسالة واضحة لا تقبل التأويل: إن الحق الإنساني والتاريخي لا يسقط بالتقادم، وإن إرادة الشعوب الحرة في نيل حريتها وكرامتها ستظل هي البوصلة الثابتة في مواجهة كل أشكال الظلم والاستعمار.

مقالات ذات صلة