كتب _ فايز الشاقلدي
هناك مدينة تبدأ حياتها حين تنتهي حياة مدينة أخرى، عندما تغلق المكاتب أبوابها ويعود الناس إلى منازلهم، يبدأ آخرون يوم عملهم؛ سائق تطبيقات يطارد رحلة جديدة، عامل توصيل يحمل طلباً إلى عنوان بعيد، بائع يقف خلف متجره حتى الفجر يرتب الصناديق، وحارس يقاوم النوم، وعامل في مصنع لا يعرف معنى أن ينتهي يومه عند غروب الشمس.
إنهم "الساهرون"؛ الذين ندين لهم بجزء كبير من الراحة التي نعيشها، لكننا نادراً ما نسأل عن الثمن الذي يدفعونه.
في عمان، يُعرف العمل الليلي بالورديات التي تقع بين السابعة مساءً والسابعة صباحاً، مع تنظيم فترات للراحة. لكن لا توجد إحصاءات رسمية دقيقة ترصد أعداد العاملين ليلاً، خصوصاً أن قطاعاً منهم يعمل في الاقتصاد غير الرسمي، من سائقين وباعة وعمال توصيل وغيرهم.
وهنا تبدأ المشكلة ؛ كيف يمكن حماية فئة لا نعرف حجمها الحقيقي؟
العمل الليلي ليس مشكلة في حد ذاته؛ فالمستشفيات والنقل والأمن والمصانع وغيرها تحتاج إلى من يعمل بعد غروب الشمس. المشكلة حين يتحول الليل من خيار وظيفي إلى ضرورة اقتصادية، وحين يصبح الراتب الأساسي غير كافٍ، فيضطر الإنسان إلى بيع ساعات نومه بحثاً عن دخل إضافي.
لذلك فإن السؤال الأهم ليس: لماذا يعمل هؤلاء كل هذه الساعات؟ بل لماذا لا يكفي العمل الأساسي لتأمين حياة كريمة؟
المعالجة تبدأ أولاً من معرفة حجم الظاهرة، عبر مسح واضح يشمل العاملين في الاقتصاد الرسمي وغير الرسمي، ثم ضمان حقوق العامل الليلي وتأمينهم من عثرات اليل الطويلة و ساعات العمل المنضبطة، فترات راحة حقيقية، أجر عادل للعمل الإضافي، وحماية اجتماعية وصحية. ويأتي النقل الآمن في مقدمة الأولويات، خصوصاً لمن ينهي عمله بعد منتصف الليل.
لكن الحل الأعمق يظل في تحسين قيمة العمل والأجور؛ لأن العمل الإضافي ينبغي أن يكون وسيلة لتحسين الدخل، لا شرطاً للبقاء.
فالمدينة التي تفتخر بأنها لا تنام، عليها أن تتذكر أن الذين يبقون مستيقظين من أجلها بشر أيضاً؛ لهم أسر تنتظرهم، وأجساد تتعب، وحق طبيعي في الراحة.
الليل ليس المشكلة؛ المشكلة أن يصبح النوم امتيازاً لا يستطيع شراءه إلا من يكفيه دخل النهار.
