الرئيسية / مقالات
مقالات

أبو العريف... نسخة السوشيال ميديا

أبو العريف... نسخة السوشيال ميديا

كتب _ فايز الشاقلدي
لم يعد «أبو العريف» في زماننا يجلس في صدر المجلس ليتحدث في كل شيء، كما تصوّره الحكايات الشعبية القديمة. لقد انتقل إلى الشاشة، وأصبح يحمل هاتفاً ذكياً، وحساباً على مواقع التواصل الاجتماعي، واتصالاً دائماً بالإنترنت. والمفارقة أن أدوات المعرفة الهائلة التي بين يديه لم تجعله بالضرورة أكثر معرفة، بل جعلته في أحيان كثيرة أكثر ثقة بما لا يعرف. 
المشكلة ليست في «السوشيال ميديا» بوصفها وسيلة، بل في الوهم الذي يمكن أن تصنعه كثافة التعرض، فالشخص الذي يقرأ يومياً عشرات المنشورات عن الاقتصاد والسياسة والطب والقانون والتكنولوجيا، قد يشعر أنه أصبح ملماً بهذه المجالات. تتكرر أمامه المصطلحات والأسماء والأحداث، فينشأ لديه إحساس بالألفة، وهي سرعان ما تتنكر في هيئة معرفة.
وهنا تبدأ الكارثة الصغيرة التي تتسع كل يوم، يقرأ المرء خبراً، فيتحول إلى محلل؛ يشاهد مقطعاً لطبيب، فيصبح طبيباً؛ يطالع رأياً قانونياً، فيشرع في توزيع الفتاوى القانونية؛ ويتابع نقاشاً سياسياً، فيخرج منه بخلاصة تصلح ـ في ظنه ـ لحل أزمات الدول.
في الماضي، كانت المشكلة تمنح أصحابها وقتاً كي يفكروا، ويبحثوا، ويسألوا المتخصصين، ويختلفوا معهم. أما اليوم، فالمشكلة تصل إلى الشاشة، وبعد دقائق تصل معها عشرات «الحلول». لم تعد الخبرة شرطاً للكلام، بل أصبح امتلاك لوحة مفاتيح كافياً للحصول على منبر.
الأخطر أن المنصات لا تكافئ دائماً الأكثر علماً، بل الأكثر قدرة على جذب الانتباه. وهكذا يصبح الرأي الواثق، حتى إن كان سطحياً، منافساً للمعلومة المتأنية، وقد يتفوق عليها انتشاراً.
العلاج ليس في الصمت، ولا في إغلاق المنصات، ولا في احتكار المعرفة لدى النخب، العلاج يبدأ من استعادة فضيلة بسيطة اسمها «لا أعرف». أن نميز بين أن نقرأ عن الطب وأن نكون أطباء، وبين أن نتابع الاقتصاد وأن نفهم آلياته، وبين أن نمتلك رأياً وأن نمتلك معرفة.
نحتاج إلى ثقافة تسأل قبل أن تجيب، وتتحقق قبل أن تنشر، وتستشير قبل أن تفتي. فليست المشكلة أن يتحدث الناس في كل شيء؛ المشكلة أن ينسوا، وهم يتحدثون، أن المعرفة مسؤولية، وأن الثقة ليست دليلاً عليها.
لقد كان «أبو العريف» قديماً شخصاً يثير السخرية. أما اليوم، فقد أصبح أحياناً ظاهرة جماعية. والأسوأ أننا جميعاً معرضون لأن نكون نسخته الجديدة.

مقالات ذات صلة