بلاغات وشكاوى وشهادات.. «أحداث المملكة» تفتح ملف ما بعد هروب العاملات
المحامية نور الحديد: القانون يحمي العاملة وصاحب المنزل ولا يمنح أحدهما حق مخالفة الآخر
شهادات أصحاب منازل تكشف نمطاً متكرراً: الهروب بعد أشهر من الاستقدام
أحداث المملكة _ فايز الشاقلدي
أربع حافلات كشفت 56 عاملة مطلوباً بحقهن بلاغات هروب.. وألف بلاغ منذ بداية 2026 يفتح ملفاً أوسع: من يؤوي العاملات بعد مغادرة البيوت؟ من ينقلهن إلى العمل بالمياومة؟ ومن يحول الهروب من نهاية لعقد إلى بداية لسوق جديدة؟
تتزايد شكاوى أصحاب المنازل من هروب عاملات المنازل، بالتزامن مع تحركات وزارة العمل لضبط العاملات المطلوبات وملاحقة من يساعد على تشغيلهن بصورة مخالفة للقانون.
وفي قلب هذا الملف، تبرز قراءة المحامية نور الحديد التي ترى أن القضية لا يمكن اختزالها في وصف "عاملة هاربة" أو "صاحب منزل متضرر"، لأن العلاقة تحكمها منظومة من قوانين العمل والإقامة والأنظمة الخاصة بالعمالة المنزلية، فيما تبقى حقوق العاملة ومسؤوليات صاحب المنزل ومكتب الاستقدام والوسيط خاضعة للوقائع والأدلة.
وتأتي هذه التطورات بعد إعلان وزارة العمل، في 11 أيلول، إيقاف أربع حافلات على طريق المطار تقل نحو 200 عاملة منزل، تبين أن 56 منهن مسجل بحقهن بلاغات هروب وقضايا أخرى.
وقالت الوزارة أن هناك خطة لمتابعة أماكن سكن العاملات الهاربات، وملاحقة من يساعدهن على الهروب أو يشغلهن بصورة مخالفة، إلى جانب متابعة منصات التواصل الاجتماعي التي تروّج لهذه المخالفات.
وبحسب ما أسر به الناطق الإعلامي باسم وزارة العمل محمد الزيود خلال رده على استفسارات "أحداث المملكة"، فقد تجاوز عدد العاملات اللواتي أبلغ عن هروبهن منذ بداية عام 2026 ألف عاملة، فيما جرى ضبط نحو 300 منهن.
شكاوى المواطنين: الهروب لا ينتهي عند باب المنزل
تكشف شكاوى وصلت إلى "أحداث المملكة" أن بعض الأسر لا تواجه فقط فقدان العاملة، وإنما تجد نفسها أمام خسائر مالية وإجراءات تبدأ بعد تقديم البلاغ.
في خلدا، تقول صاحبة منزل إن العاملة بدأت عملها بصورة طبيعية، قبل أن يتراجع التزامها تدريجياً ثم تغادر المنزل، مع حديث عن تواصلها مع امرأة أوغندية تقوم بدور وسيط.
وفي حالة أخرى، تقول أسرة إن العاملة غادرت بعد نحو ثمانية أشهر، رغم تأكيد الأسرة أنها أوفت بالتزاماتها المالية.
وفي إربد، سجلت كاميرات منزل خروج العاملة، لكنها لم تحدد وجهتها بعد مغادرتها. وفي واقعة أخرى، تحدثت أسرة عن شخصين ادعيا أنهما من الأجهزة الأمنية وأخذا جواز سفر العاملة، وسط شبهة انتقالها لاحقاً للعمل بالمياومة.
ولا تكفي هذه الروايات وحدها لإثبات وجود شبكة منظمة، لكنها تفتح الباب أمام سؤال يتعلق بما يحدث بعد الهروب، خصوصاً إذا كانت العاملة تظهر لاحقاً وهي تعمل في مكان آخر.
نور الحديد: القانون لا يضع طرفاً واحداً خارج المسؤولية
تضع المحامية نور الحديد الملف ضمن إطار قانوني متعدد الأطراف، مؤكدة أن العامل غير الأردني لا يعمل خارج منظومة القوانين الأردنية، كما أن صاحب المنزل ومكتب الاستقدام والوسيط يخضعون، كل بحسب دوره، لالتزامات قانونية.
وتوضح الحديد أن عمل غير الأردني يخضع لقانون العمل وقانون الإقامة وشؤون الأجانب والأنظمة الخاصة بالعاملين في المنازل، إضافة إلى تعليمات استقدام واستخدام العمال غير الأردنيين.
وتشير إلى أن الأهلية القانونية لإبرام عقد ليست هي نفسها الأهلية القانونية للعمل في الأردن، وأن تصريح العمل لا يمنح العامل حرية الانتقال إلى أي جهة أخرى.
وبموجب المادة 12 من قانون العمل، لا يجوز استخدام العامل غير الأردني إلا وفق الموافقة والتصريح المطلوبين، كما لا يجوز تشغيله لدى صاحب عمل غير المصرح له بالعمل لديه أو في مهنة غير المصرح له بممارستها.
وبالتالي، فإن انتقال عاملة منزل من صاحب عمل إلى آخر وتشغيلها بصورة غير نظامية لا يصبح قانونياً لمجرد وجود أسرة جديدة ترغب في تشغيلها.
وفي أيلول 2026، قالت وزارة العمل إن تشغيل العامل غير الأردني بصورة غير قانونية يعرّض المشغّل لغرامات تبدأ من 800 دينار عن العامل المخالف، مع تشديد العقوبة عند تعدد العمال المخالفين.
هاربة لا تعني أن حقوقها سقطت
في المقابل، تؤكد الحديد أن وصف العاملة بأنها "هاربة" لا يعني تلقائياً فقدانها حقوقها.
فالأنظمة الخاصة بالعاملين في المنازل تتضمن آليات لحماية العامل من العنف والانتهاكات، كما تتيح للعامل، في حال التعرض للعنف أو انتهاك الحقوق، ترك العمل والمطالبة بالتعويض من خلال القضاء.
كما يمكن مساءلة صاحب المنزل إذا ثبت أن بلاغ الهروب كان وهمياً أو غير صحيح.
وترى الحديد أن أسباب مغادرة العاملة قد تختلف من حالة إلى أخرى؛ فقد يكون السبب عرضاً مالياً أفضل، أو نزاعاً على الأجر، أو ظروف عمل قاسية، أو استغلالاً أو عنفاً، أو حتى وجود نزاع حول صحة البلاغ.
ولهذا، فإن التعامل مع جميع الحالات باعتبارها ظاهرة واحدة قد يحجب الأسباب الحقيقية وراء كل حالة.
العمل بالمياومة.. سوق تفتح بعد الهروب
أحد أبرز الجوانب التي تظهر في الملف هو العمل بالمياومة.
وتتحدث مصادر في قطاع الاستقدام عن أجور تتراوح في بعض حالات العمل غير النظامي بين 20 و35 ديناراً في اليوم،
ويختلف هذا النموذج عن العقد التقليدي الذي يربط العاملة بأسرة واحدة وراتب شهري ثابت.
فالعاملة في السوق غير النظامية قد تنتقل بين أكثر من منزل، ما يجعل مغادرة العلاقة التعاقدية لا تعني بالضرورة توقفها عن العمل.
وتشير المادة إلى أن بعض أصحاب مكاتب الاستقدام يطرحون أسئلة حول الجهات التي توفر للعاملات السكن والمواصلات والعمل، وما إذا كان هناك وسطاء يحصلون على مقابل مقابل تنظيم هذه العمليات.
لكن إثبات وجود شبكة أو نشاط منظم يحتاج إلى أدلة مستقلة، وليس مجرد وجود حالات متشابهة.
وزارة العمل تلاحق الوسطاء والسكن والمنصات الإلكترونية
وأكدت الوزارة أن خطتها لا تقتصر على ضبط العاملات المطلوبات، وإنما تشمل متابعة أماكن السكن ووسائل النقل والأشخاص الذين يساعدون على الهروب أو التشغيل المخالف، إضافة إلى متابعة حسابات ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظل ظهور وسائل التواصل كقناة محتملة لعرض فرص العمل والتواصل بين العاملات والأسر والوسطاء.
لكن وجود حساب أو إعلان لا يعني وحده ارتكاب جريمة، إذ يتطلب الأمر التحقق من هوية صاحب الحساب وطبيعة نشاطه وصلته الفعلية بالحالات.
شكاوى العاملات.. الوجه الآخر للملف
لا تكتمل صورة القضية من دون النظر إلى ظروف عمل العاملات.
وتنقل المادة عن تقارير حقوقية شكاوى تتعلق بتأخر أو حجب الأجور، وخصومات غير مبررة، وساعات عمل تصل لدى بعض العاملات إلى 14 أو 16 ساعة يومياً، إضافة إلى شكاوى من حجز جوازات السفر وصعوبة الوصول إلى قنوات الشكوى.
ويشير الزيود إلى منصة "حماية" باعتبارها قناة رسمية لتقديم الشكاوى العمالية، وتشمل العاملين في المنازل.
وترى الحديد أن وجود مسار قانوني للشكوى مهم لمنع تحول الخلاف العمالي إلى هروب واختفاء، خصوصاً عندما يكون النزاع متعلقاً بالأجر أو ظروف العمل أو أي انتهاك للحقوق.
صاحب المنزل أيضاً أمام خسارة مالية
في الجانب الآخر، تبدأ معاناة الأسرة مالياً قبل وصول العاملة إلى المنزل.
وتشير تقارير نقلتها المادة إلى أن كلفة الاستقدام النظامي تراوحت بين 3 آلاف و5 آلاف دولار، تشمل رسوم الاستقدام والتأمين الصحي وتذاكر الطيران والفحوص الطبية والأمنية.
ويحدد النظام مسؤولية مكتب الاستقدام في حالات الرفض أو الهروب خلال أول 90 يوماً، بحيث يلتزم المكتب، وفق الشروط المحددة، بإعادة المبالغ أو استبدال العاملة، بينما تدخل شركات التأمين في التعويض عن بقية مدة العقد في حالات معينة.
لكن جزءاً من شكاوى الأسر يتعلق بحالات هروب وقعت بعد مرور أشهر طويلة، ما يعني أن الخسارة قد تستمر رغم انتهاء فترة المسؤولية المباشرة للمكتب.
الحديد: صاحب المنزل ليس فوق القانون
في مقابل الخسارة التي يتعرض لها صاحب المنزل، تؤكد الحديد أن ذلك لا يمنحه سلطة مطلقة على العاملة.
فلا يجوز، وفق القراءة القانونية الواردة في المادة، أن يتحول النزاع المالي أو هروب العاملة إلى مبرر لاحتجاز جواز سفرها أو منعها بالقوة من مغادرة المنزل.
وتوضح الحديد أن القانون لا يسمح لأحد الطرفين بمعالجة مخالفة بمخالفة أخرى، وأن تحديد المسؤولية يجب أن يستند إلى الوقائع والأدلة.
جواز السفر.. بين المخالفة والاتجار بالبشر
يظهر جواز السفر في عدد من الوقائع باعتباره نقطة حساسة.
وتقول الحديد إن الجواز وثيقة شخصية، وإن حيازته بصورة غير مشروعة قد ترتب مسؤولية قانونية. لكنها في الوقت نفسه تحذر من اعتبار مجرد حيازة الجواز دليلاً كافياً على الاتجار بالبشر.
ويحتاج الأمر إلى معرفة ما إذا كان الجواز قد استخدم لمنع العاملة من المغادرة، وما إذا رافق ذلك تهديد أو إكراه أو استغلال اقتصادي.
كما أن وجود وسيط أو سكن مشترك أو سيارة تنقل العاملات لا يكفي وحده لإثبات الاتجار بالبشر، إذ يتطلب التوصيف القانوني توافر عناصر محددة.
مكاتب الاستقدام في دائرة المسؤولية
لا تقتصر القضية على العاملة وصاحب المنزل.
فمكاتب الاستقدام تؤدي دوراً أساسياً في إدخال العاملات إلى سوق العمل، ويحدد النظام التزاماتها المتعلقة بالاستقدام والاستبدال والرفض والهروب.
وتوضح الحديد أن مسؤولية المكتب تظهر بصورة خاصة إذا ثبت تقديم معلومات غير صحيحة أو الإخلال بالواجبات التي يفرضها النظام، لكنها لا ترى أن كل حالة هروب تعني تلقائياً مسؤولية المكتب.
فالتمييز ضروري بين مكتب نفذ التزاماته القانونية، وعاملة غادرت بعد أشهر لأسباب خاصة بها، وبين مكتب ثبت إخلاله بواجباته.
ما الذي تكشفه أرقام وزارة العمل؟
أرقام البلاغات والضبط تكشف حجم الجهد الرسمي، لكنها لا تقدم وحدها صورة كاملة عن الظاهرة.
وتحتاج الجهات المعنية إلى معرفة مصير كل بلاغ: أين ضبطت العاملة؟ هل كانت تعمل لدى أسرة أخرى؟ هل كانت تقيم في سكن مشترك؟ هل ظهر وسيط؟ هل أحيل شخص آخر إلى القضاء؟ وما القرار النهائي في القضية؟
كما أن معرفة عدد المطالبات التأمينية وطلبات الاستبدال والمكاتب التي ثبت إخلالها يمكن أن تقدم صورة أوضح عن حجم المشكلة.
بين حماية الأسرة وحماية العاملة
تكشف القضية عن معادلة دقيقة.
فصاحب المنزل الذي استقدم عاملة عبر الإجراءات الرسمية قد يخسر آلاف الدولارات عندما تغادر العاملة، وقد يجد نفسه أمام إجراءات طويلة للحصول على بديل أو تعويض.
وفي المقابل، فإن العاملة التي تتعرض للعنف أو حجب الأجر أو ظروف العمل غير القانونية تحتاج إلى مسار حماية سريع لا يجبرها على البقاء في وضع قد يعرّضها للخطر.
وهنا تبرز أهمية ما تؤكد عليه نور الحديد: القانون لا يضع أحد الطرفين فوق الآخر؛ وإنما يحدد حقوق كل طرف ومسؤولياته وفق الوقائع.
الخلاصة
قضية عاملات المنازل الهاربات تتجاوز أرقام البلاغات وحالات الضبط.
فوراء كل بلاغ قصة مختلفة: أسرة تقول إنها خسرت مالاً والتزمت بحقوق العاملة، وعاملة قد تكون غادرت بحثاً عن دخل أفضل أو بسبب نزاع أو انتهاك، ومكتب استقدام له التزامات محددة، ووسطاء محتملون، وسوق عمل بالمياومة قد تستوعب بعض الحالات.
وبين هذه الأطراف، تتحمل وزارة العمل مسؤولية ضبط المخالفات وملاحقة من يثبت تورطه في التشغيل غير القانوني.
أما نور الحديد، فتضع الإطار القانوني الذي يمنع اختزال القضية في طرف واحد: لا العاملة خارج القانون، ولا صاحب المنزل فوق القانون، ولا مكتب الاستقدام خارج المسؤولية، ولا الوسيط الذي يثبت تورطه بمنأى عن المساءلة، وفي الوقت نفسه لا ينبغي أن تتحول صفة "هاربة" إلى حكم يسقط حقوق العاملة.
ملف مفتوح
على رغم كل ذلك تعد ظاهرة "فرار عاملي المنازل" ملفاً معقداً تتقاطع فيه الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، إذ تشكل فجوة الأجور المحرك الأساس لهذه السوق الخفية
وتتوزع المسؤولية عن اتساع نطاق الظاهرة بين اتهامات حادة يوجهها قطاع استقدام العمالة لسماسرة ومكاتب غير مرخصة تحرض العاملات على الهرب بغرض إعادة تشغيلهن بعيداً من الرقابة، وبين قراءة حقوقية تطالب بعدم حصر الأزمة في الزاوية الأمنية والمالية فحسب.
وما بين مطرقة الكلف الباهظة التي تثقل كاهل الأسرة الأردنية، وسندان الشبكات غير الشرعية التي تستغل الفوارق الأجرية، تظل ظاهرة "فرار عاملات المنازل" ملفاً مفتوحاً ينتظر حسماً تشريعياً ورقابياً كلياً.
