الرئيسية / محافظات
محافظات

الزرقاء تتكدس بـ"أكوام الحديد".. أزمة مواقف تخنق شوارع المدينة

الزرقاء تتكدس بـ"أكوام الحديد".. أزمة مواقف تخنق شوارع المدينة

 

الاصطفاف العشوائي يضيق المسارب.. ومطالب بخطة شاملة لإدارة المواقف والنقل العام

المهندس بني سلامة لـ "أحداث المملكة": إعداد خريطة شاملة لمواقف السيارات في الزرقاء بداية الحل

 

الزرقاء – جلال أبو صالح

 

مع تزايد أعداد المركبات وضيق المساحات المخصصة لوقوفها، تتفاقم أزمة الازدحام المروري والاصطفاف في مدينة الزرقاء، الأمر الذي حول عدداً من الشوارع، خصوصاً في المناطق التجارية والحيوية، إلى مواقف مفتوحة تتداخل فيها حركة المركبات مع المشاة وعمليات التحميل والتنزيل.

 

ويجد سائقون أنفسهم يومياً أمام رحلة بحث عن موقف قريب من وجهاتهم، فيما يلجأ بعضهم إلى الاصطفاف على جانبي الطرق أو بصورة مزدوجة، ما يفاقم الاختناقات المرورية ويقلل من المساحة المتاحة أمام حركة السير.

 

ويقول مواطنون ل "أحداث المملكة" إن مشكلة المواقف أصبحت جزءا من حياتهم اليومية، في ظل محدودية البدائل وارتفاع الطلب على المساحات المخصصة للوقوف.

 

وتبرز الأزمة بصورة أكبر في المناطق التجارية، حيث يتزامن وصول المركبات الخاصة مع حركة النقل العام والمشاة وعمليات تحميل وتنزيل البضائع، ما يجعل بعض الشوارع تعمل بأكثر من وظيفة في الوقت نفسه.

 

وتتفاقم الازمة كما في عمان واربد وغيرها من مدن جراء التوسع في اقتناء السيارات من قبل العائلات بصورة متضخمة، خاصة مع فشل النقل العام في تلبية احتياجات المواطن في ظل أزماته المعروفة.

 

* ارتفاع أعداد المركبات يضغط على الشوارع

 

ويقدر عدد المركبات في الأردن بنحو 2.5 مليون مركبة، منها نحو مليوني مركبة مرخصة داخل المملكة، فيما يتجاوز عدد المركبات القادمة عبر الحدود نصف مليون مركبة، وفق بيانات دائرة السير في مديرية الأمن العام.

 

وتشير دراسة تشخيصية للنقل العام في الأردن أصدرها البنك الدولي عام 2022 إلى أن الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات الخاصة تعد من العوامل المرتبطة بالازدحام وطول رحلات التنقل.

 

وبحسب الدراسة، ارتفع عدد المركبات الخاصة بنسبة 93.5% خلال الفترة من 2008 إلى 2018، في حين بلغت الزيادة في مركبات النقل العام 44.7% خلال الفترة ذاتها.

 

وقدرت الدراسة الكلفة السنوية للازدحامات المرورية في المملكة بنحو 1.5 مليار دولار.

 

وفي محافظة الزرقاء، بلغ عدد المركبات المرخصة عام 2024 نحو 87,654 مركبة، منها 83,661 مركبة خصوصية، إلى جانب المركبات العمومية وغيرها من الفئات، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة.

 

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع المركبات تتحرك في شوارع المدينة في الوقت نفسه، لكنها تعكس حجم الأسطول الذي تحتاج المحافظة إلى استيعابه عبر شبكة الطرق ومواقف الاصطفاف والخدمات المرتبطة بالمركبات.

 

وتزداد الضغوط المرورية بفعل حركة المركبات القادمة من المناطق المحيطة بالزرقاء، والمركبات المتجهة إلى العاصمة أو القادمة منها، إضافة إلى النشاط التجاري والصناعي في المحافظة.

 

"أدور أكثر من مرة بحثا عن موقف"

 

يقول المواطن سامر السرحان إن أزمة المواقف أصبحت من أبرز المشكلات التي يواجهها السائقون في المحافظة. ويضيف: "نعاني في المحافظة من أزمة كبيرة في توفر مصفات لسياراتنا، فنضطر أحياناً إلى إلى الاصطفاف بشكل مزدوج، وهذا يعرضنا للمخالفات المرورية ويزيد من الاختناقات".

 

ويرى السرحان أن توفير مواقف منظمة وقريبة من المناطق التجارية من شأنه أن يخفف من الاصطفاف العشوائي، ويحد من اضطرار السائقين إلى الوقوف في أماكن مخالفة.

 

أما المواطن نضال أبو سويلم، فيرى أن المشكلة لا تتعلق بعدد المواقف فقط، وإنما بمواقعها، مشيرًا إلى أهمية توفير مواقف قريبة من المناطق التجارية والخدمية التي تشهد كثافة في حركة المواطنين.

 

* الشوارع تتحول إلى مواقف مفتوحة

 

ومع محدودية المساحات المخصصة للاصطفاف، تتحول  الشوارع إلى مواقف مؤقتة، خصوصًا في المناطق التي تشهد نشاطًا تجاريًا كثيفًا.، وحتى في الاحياء الداخلية.

 

ولا تقتصر الظاهرة على الاصطفاف النظامي، إذ تظهر في بعض المواقع ممارسات تتمثل في حجز مواقف أمام المنازل والمحال التجارية باستخدام حواجز وأجسام مختلفة. ناهيك عن اصطفاف السيارات في كثير من الشوارع وبعضها رئيسي على جانبي الطريق، ما يضيق مساحة المسارب المفتوحة لسير المركبات.

 

وتعاملت بلدية الزرقاء الكبرى مع هذه الظاهرة ميدانيًا؛ ففي تموز 2025 أطلقت حملة في منطقة جبل طارق لإزالة تعديات تمثلت في حجز مواقف المركبات أمام المنازل والمحال التجارية باستخدام حواجز مثبتة، استجابة لشكاوى المواطنين.

 

وأكدت البلدية أن هذه التعديات تؤثر في انسيابية المرور وحق المواطنين في استخدام الشوارع بصورة متساوية.

 

ويشير واقع الشوارع إلى أن المشكلة لا ترتبط بعدد المركبات فقط، بل بكيفية توزيع المساحات المحدودة بين حركة السير والوقوف والمشاة والأنشطة التجارية.

 

 

* الاصطفاف المزدوج.. دقائق تتحول إلى اختناق

 

في بعض الشوارع، تتحول عملية الوقوف المزدوج إلى أحد أبرز أسباب الاختناق، إذ يؤدي توقف مركبة واحدة في مسرب الحركة إلى إجبار المركبات الأخرى على تغيير مساراتها أو الانتقال إلى المسرب المقابل.

 

ومع تكرار المشهد على امتداد الشارع، تتراجع قدرة الطريق على استيعاب حركة المركبات. كما أن عمليات البحث عن موقف، والدخول والخروج من أماكن الاصطفاف، والتحميل والتنزيل، كلها تؤدي إلى إبطاء حركة السير، خصوصًا في ساعات الذروة.

 

ولا تقتصر المشكلة على وقت الوقوف نفسه، بل تمتد إلى الوقت الذي تقضيه المركبات في البحث عن مكان شاغر.

 

* المناطق التجارية تحت الضغط

 

تعد المناطق التجارية من أكثر المواقع تأثرًا بأزمة الاصطفاف، بسبب ارتفاع أعداد الزوار والمركبات خلال فترات قصيرة. وباتت المواقع التجارية تتوزع على مناطق واسعة في المدينة المتضخمة، ومنها الوسط التجاري والزرقاء الجديدة وحي معصوم بل واغلب الاحياء التي بات يوجد فيها اسواق ومناطق تجارية ممتدة.

 

ويحتاج المتسوق إلى موقف قريب من وجهته، بينما تحتاج المحال التجارية إلى أماكن لتحميل وتنزيل البضائع، في حين تحتاج الشوارع إلى مساحات كافية لحركة المركبات والمشاة.

 

وفي حال عدم تخصيص مناطق واضحة للتحميل والتنزيل، تضطر مركبات التزويد إلى التوقف في الشوارع، ما يضيف ضغطًا جديدًا إلى حركة السير.

 

ويؤكد أصحاب محال تجارية في هذا السياق،أن توفير مواقف قريبة ومنظمة يمكن أن ينعكس على حركة السوق، من خلال تسهيل وصول الزبائن وتقليل الوقت الذي تقضيه المركبات في البحث عن مكان للوقوف.

 

* المواطن بين المخالفة والبحث عن موقف

 

ويواجه السائق معادلة صعبة في بعض المناطق؛ فعدم وجود موقف قريب يدفعه إلى الاختيار بين الابتعاد عن وجهته أو الوقوف في مكان قد يعرضه للمخالفة.

 

ولا يرى مواطنون أن معالجة الأزمة تقتصر على تحرير المخالفات، مؤكدين أن تنظيم الوقوف يجب أن يترافق مع توفير بدائل واقعية.

 

وفي المقابل، فإن السماح بالوقوف العشوائي ينعكس على جميع مستخدمي الطريق، بما في ذلك الحافلات وسيارات الأجرة والمركبات الخاصة والمشاة.

 

* الأرصفة تدفع ثمن الأزمة

 

ولا تتوقف آثار أزمة المواقف عند الشوارع، إذ تتأثر الأرصفة أيضًا عندما تستخدم لوقوف المركبات. وفي بعض المواقع، يؤدي وقوف السيارات على الأرصفة إلى تضييق المساحات المتاحة أمام المشاة، ما يدفعهم إلى السير بمحاذاة الطريق أو بين المركبات.

 

وتصبح المشكلة أكثر حساسية بالنسبة لكبار السن والأطفال والأشخاص ذوي الإعاقة، الذين يحتاجون إلى أرصفة آمنة ومتصلة للوصول إلى وجهاتهم.

 

وبذلك تتحول أزمة الاصطفاف من مشكلة مرورية إلى قضية تتعلق أيضًا باستخدام الفضاء العام وحق المشاة في الوصول الآمن.

 

* النقل العام أمام اختبار الازدحام

 

وفي محاولة لتطوير منظومة النقل العام في المحافظة، يجري العمل على مشروع مركز الانطلاق والوصول الجديد في الزرقاء.

 

ووفق وزارة النقل، يقام المشروع على أرض مساحتها 60 دونمًا، ويهدف إلى توحيد خطوط النقل الداخلية والرئيسية التي كانت موزعة بين مركزي انطلاق ووصول الأمير راشد والملك عبدالله.

 

ويضم المشروع ساحات ومسارب لوسائط النقل العام، بطاقة تستوعب 111 خطًا داخليًا وخارجيًا و1230 واسطة نقل، إلى جانب شبكة طرق داخلية وساحات انتظار ومبانٍ إدارية وخدمية وتجارية وكراجات للسيارات الخاصة.

 

كما ناقشت هيئة تنظيم قطاع النقل البري في تموز 2026 تصاميم إضافية للمشروع تتضمن مواقف «Park and Ride» ومساحات استثمارية ومناطق خضراء، بالتزامن مع التوسعة المخططة لمسارب حافلات التردد السريع.

 

ويعني نظام «Park and Ride» أن يترك السائق مركبته في موقف مخصص ثم يكمل رحلته باستخدام وسيلة نقل عام، وهو ما يمكن أن يخفف دخول المركبات الخاصة إلى المناطق الأكثر ازدحامًا إذا ارتبط النظام بخدمة نقل منتظمة وفعالة.

 

* خطة شاملة للمواقف.. مطلب يتكرر

 

ويرى مواطنون وأصحاب محلات تجارية تحدثوا لـ«أحداث المملكة» أن معالجة الأزمة تتطلب خطة واضحة تحدد احتياجات المدينة من المواقف، بدل الاكتفاء بالتعامل مع المركبات المخالفة بعد وقوع المشكلة.

 

وتتضمن هذه الخطة إجراء مسح للمناطق التجارية والحيوية لتحديد عدد المركبات التي تدخلها يوميًا، وعدد المواقف المتاحة، ونسب إشغالها خلال ساعات الذروة، والشوارع التي يتسبب الاصطفاف فيها بتضييق الحركة.

 

كما تحتاج الخطة إلى تحديد الأراضي الحكومية والبلدية التي يمكن تحويلها إلى مواقف، ودراسة إمكانية إنشاء كراجات متعددة الطوابق، وتحديد أماكن مخصصة للتحميل والتنزيل، إلى جانب بحث إمكانية إنشاء مواقف طرفية مرتبطة بالنقل العام.

 

* القطاع الخاص أمام فرصة استثمارية

 

يرى مهتمون بالشأن المروري أن تشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في مواقف متعددة الطوابق أو ساحات منظمة قد يوفر مساحات إضافية للوقوف، ويحرر جزءًا من الشوارع المستخدمة حالياً كمواقف.

 

لكن نجاح هذه المشاريع يرتبط بمواقعها وتسعيرتها وتصميم مداخلها ومخارجها، بحيث لا تتحول الكراجات نفسها إلى مصدر جديد للازدحام.

 

كما أن تحديد الرسوم يحتاج إلى دراسة توازن بين الجدوى الاقتصادية للمشروع وقدرة المواطنين على استخدامه، بحيث لا يصبح السعر سبباً في استمرار الاصطفاف المجاني في الشوارع.

 

* عمّان.. تجربة يمكن الاستفادة منها

 

رغم أن العاصمة عمّان تواجه بدورها تحديات الازدحام والاصطفاف، فإن أمانة عمّان طورت خلال السنوات الماضية أدوات لتنظيم الوقوف في عدد من المناطق.

 

وتشمل هذه الأدوات المواقف المدفوعة، وتحديد مواقع منع الوقوف والتوقف، واستخدام الشواخص وطلاء الأرصفة، إضافة إلى إجراءات الرقابة الإلكترونية في مواقع محددة.

 

كما ظهرت مشاريع وخطط لاستحداث مساحات جديدة لمواقف السيارات. ولا يعني ذلك أن أزمة المواقف في العاصمة انتهت، لكن التجربة تظهر أهمية الانتقال من التعامل مع السيارة المتوقفة باعتبارها مخالفة منفردة إلى إدارة المواقف باعتبارها جزءًا من التخطيط الحضري والمروري.

 

* شوارع بحاجة إلى إدارة لا إلى توسعة فقط

 

وتضع أزمة المواقف في الزرقاء الجهات المعنية أمام تحدٍ يتجاوز معالجة الاختناقات اليومية، إلى ضرورة وضع سياسة واضحة لإدارة الاصطفاف داخل المدينة.

 

فتوسعة الشوارع قد تعالج بعض الاختناقات في المدى القصير، لكنها لن تكون حلًا دائمًا إذا بقيت المركبات تستخدم المسارب كمواقف.

 

كما أن زيادة عدد الطرق دون تطوير النقل العام والمواقف قد تعني توفير مساحة إضافية للمركبات من دون معالجة أسباب الاعتماد الكبير عليها.

 

خريطة للمواقف.. الخطوة الأولى

 

ومن بين الحلول التي يمكن البدء بها إعداد خريطة شاملة لمواقف السيارات في مدينة الزرقاء، بحسب ما أكده المهندس نائل بني سلامة خلال حديثه ل "أحداث المملكة".

 

وتحدد الخريطة، وفقاً لبني سلامة، مواقع المواقف العامة والخاصة، والطاقة الاستيعابية لكل موقف، ونسب الإشغال، ومناطق منع الوقوف، والشوارع الأكثر تأثرًا بالاصطفاف، ومواقع الكراجات الحالية والمواقع المحتملة للمواقف الجديدة، بحيث يمكن تحديث الخريطة بصورة مستمرة، بحيث تصبح أداة تساعد البلدية والجهات المعنية على اتخاذ قراراتها بناء على بيانات حقيقية.

 

*  الزرقاء أمام اختبار جديد

 

ومع المشاريع الجديدة للنقل العام ومركز الانطلاق والوصول، تبدو أمام الزرقاء فرصة لإعادة تنظيم جزء من منظومة الحركة داخل المدينة.

 

لكن نجاح هذه المشاريع في تخفيف الازدحام سيعتمد على مدى تكاملها مع إدارة المواقف والشوارع والنقل العام، وعلى قدرة الجهات المعنية على الانتقال من معالجة كل اختناق بصورة منفردة إلى إدارة حركة المدينة ككل.

 

فأزمة المواقف ليست مجرد نقص في عدد الأماكن المتاحة للسيارات، وإنما نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، تبدأ من ارتفاع أعداد المركبات، مروراً بالنشاط التجاري وحركة النقل العام، وصولًا إلى محدودية الأراضي وغياب إدارة متكاملة للوقوف.

 

ولهذا، فإن الحل لا يكمن فقط في إنشاء طرق أوسع، وإنما في مواقف منظمة، ونقل عام أكثر كفاءة، وكراجات استثمارية، وأماكن واضحة للتحميل والتنزيل، واستخدام التكنولوجيا لإدارة الحركة، وخطة شاملة تحدد أين تقف السيارات وأين تتحرك، كما يقول المهندس بني سلامة.

 

في مدينة تشهد حركة تجارية وصناعية وسكانية واسعة، يبقى السؤال الأهم: متى تنتقل الزرقاء من التعامل مع أزمة المواقف يوما بيوم إلى وضع سياسة دائمة لإدارة الاصطفاف والحركة المرورية؟

مقالات ذات صلة