الرئيسية / قضايا
قضايا

التوقيت الشتوي يطرق أبواب الحكومة فهل سينتصر النواب لإرادة الشعب ؟

التوقيت الشتوي يطرق أبواب الحكومة فهل سينتصر النواب لإرادة الشعب ؟

 

التوقيت الشتوي يطرق أبواب الحكومة فهل سينتصر النواب لإرادة الشعب ؟

 

مواطنون لـ«أحداث المملكة»: نخرج إلى المدارس والجامعات والأعمال في العتمة

 

أبو رمان: مصلحة المواطن أولاً وسنحشد التأييد النيابي للعودة إلى التوقيت الشتوي

 

الخزاعي : يفتح ملف "ساعة الشتاء" لماذا لم تُنشر دراسة تثبيت التوقيت

 

أحداث المملكة _ فايز الشاقلدي 

 

 عاد ملف التوقيت المعمول به في المملكة إلى واجهة النقاش الشعبي والنيابي، مع تجدد مطالبات مواطنين بضرورة إعادة العمل بالتوقيت الشتوي خلال أشهر الشتاء، والعدول عن قرار تثبيت التوقيت الصيفي طوال العام، وسط دعوات نيابية لإعادة فتح الملف مع الحكومة، ومطالبات أكاديمية بإظهار الدراسات التي استند إليها قرار تثبيت التوقيت للرأي العام.

 ويأتي هذا الجدل في وقت لا يزال فيه الأردن يعمل بنظام التوقيت الثابت طوال العام، بعدما قرر مجلس الوزراء في تشرين الأول 2022 تثبيت العمل بالتوقيت الصيفي، وقالت الحكومة آنذاك إن القرار جاء بعد "دراسة مستفيضة" لجدوى تثبيت التوقيت، وإن من شأنه تحقيق استفادة أكبر من ساعات النهار وتقليل الدوام خلال ساعات المساء والليل، مع توجيه الجهات المعنية إلى مواءمة أوقات دوام المدارس والجامعات مع مواعيد شروق الشمس.

لكن سنوات تطبيق القرار أعادت الجدل إلى الشارع، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء، حيث تصبح ساعات الصباح أكثر برودة وتأخراً في الإضاءة، ويضطر الطلبة والموظفون والعاملون في قطاعات مختلفة إلى مغادرة منازلهم قبل شروق الشمس أو في ساعات يكون فيها الضوء الطبيعي محدوداً.

المواطنون: نريد أن يبدأ يومنا مع الضوء لا في الظلام

وقال مواطنون لـ"أحداث المملكة" ،إن القضية بالنسبة لهم تتجاوز مجرد تحريك عقارب الساعة، وترتبط بنمط الحياة اليومية، وخصوصاً في أيام الشتاء التي تتأخر فيها ساعات الشروق.

ويقول أبو أحمد، وهو موظف وأب لطلبة مدارس، إن أفراد أسرته يبدأون يومهم في وقت مبكر جداً، إذ يضطر إلى مغادرة المنزل مع أبنائه في ساعات الصباح الأولى، بينما تكون السماء لا تزال مظلمة أو شبه مظلمة.

ويضيف الموضوع بالنسبة لنا ليس ساعة تتقدم أو تتأخر، وإنما كيف نبدأ يومنا الطالب يخرج إلى المدرسة والموظف يذهب إلى عمله، وفي الشتاء يكون الجو بارداً والظلام حاضراً، وهذا يجعل الصباح أكثر صعوبة على الأسرة.

ويرى مواطنون تقدموا بشكوى عبر الصحيفة، أن العودة إلى التوقيت الشتوي من شأنها، من وجهة نظرهم، جعل ساعات الدوام والدراسة أكثر انسجاماً مع طبيعة النهار خلال فصل الشتاء، مطالبين الحكومة والنواب بإعادة تقييم القرار والاستماع إلى ملاحظات المواطنين الذين يتعاملون معه بصورة مباشرة في حياتهم اليومية.

وتتركز المطالب بصورة خاصة على الطلبة الذين يتوجهون إلى مدارسهم وجامعاتهم في ساعات الصباح الباكر، والعاملين الذين يبدأ دوامهم في أوقات مبكرة، إلى جانب الأسر التي تضطر إلى تنظيم حركة أبنائها وتنقلاتهم في ساعات يكون فيها الضوء الطبيعي محدوداً.

أبو رمان لـ«أحداث المملكة»: مصلحة المواطن يجب أن تكون في الدرجة العليا

وفي حديث لـ«أحداث المملكة»، قال النائب معتز أبو رمان إن مجلس النواب معني بالاستماع إلى هموم المواطنين وشكاواهم ومطالبهم والتحديات التي تواجههم في حياتهم اليومية، مؤكداً أن قضية التوقيت الشتوي تدخل في صلب هذه المسؤولية.

وأوضح أبو رمان أن مطلب العودة إلى التوقيت الشتوي ليس قضية منفصلة عن حياة المواطنين، بل يرتبط، بحسب تعبيره، بالموظفين والطلبة والأسر، وبالضغوط التي ترافق ساعات الصباح الباكر خلال فصل الشتاء.

وقال إن مجلس النواب معني بمناقشة هذه المسألة مع الحكومة، والوقوف على الآثار التي ترتبت على التوقيت الحالي، بهدف الوصول إلى موقف يضع مصلحة المواطن في الدرجة العليا.

وأشار إلى أن هناك توجهاً لإعداد مذكرة نيابية تطالب الحكومة بالعدول عن قرار تثبيت التوقيت الصيفي والعودة إلى العمل بالتوقيت الشتوي خلال فصل الشتاء، مبيناً أن الهدف من المذكرة هو إيصال صوت الشارع ووضع الحكومة أمام المطالب التي يطرحها المواطنون.

وأكد أبو رمان أنه سيعمل على حشد التأييد النيابي للمطلب المتعلق بالعودة إلى التوقيت الشتوي، تمهيداً لمناقشة القضية مع الحكومة والبحث في إمكانية إعادة النظر في نظام التوقيت المعمول به.

الخزاعي: فصل التوقيتين ضرورة.. ونطالب الحكومة بنشر الدراسة

 من جانبه، دعا أستاذ علم الاجتماع البروفيسور الدكتور حسين الخزاعي إلى الفصل بين التوقيت الصيفي والتوقيت الشتوي، معتبراً أن لكل فصل ظروفه الطبيعية والاجتماعية التي ينبغي أن تنعكس على توقيت الحياة اليومية.

وقال الخزاعي إن العمل بالتوقيت الشتوي خلال فصل الشتاء يرتبط، من وجهة نظره، بالاستفادة من ضوء النهار، وترشيد استخدام الطاقة في ساعات الصباح، إلى جانب توفير الوقت والجهد والمال، والاستفادة من الإضاءة الطبيعية مع طلوع الشمس.

وأكد أن المواطن، من الناحية الاجتماعية، يميل إلى أن يبدأ يومه مع الضوء، وليس في الظلام، معتبراً أن طبيعة الحياة اليومية في الشتاء تختلف عن الصيف، الأمر الذي يستدعي – بحسب رؤيته – عدم التعامل مع التوقيتين باعتبارهما نظاماً واحداً طوال العام.

وفي السياق ذاته، طالب الخزاعي الحكومة بالكشف عن الدراسة التي استند إليها قرار تثبيت التوقيت الصيفي، متسائلاً عن نتائج الدراسات السابقة التي أجرتها الحكومة لقياس جدوى استمرار العمل بالتوقيت الحالي.

وكانت الحكومة قد أعلنت رسمياً عند اتخاذ قرار تثبيت التوقيت في عام 2022 أن القرار جاء بعد «دراسة مستفيضة» هدفت إلى الوقوف على جدوى تثبيت التوقيت الصيفي، وأن النتائج الحكومية أشارت إلى أن استمرار العمل به يتيح الاستفادة من أطول وقت ممكن من ساعات النهار.

إلا أن الخزاعي يرى أن إعلان وجود الدراسة لا يكفي بالنسبة للرأي العام، مطالباً بإتاحة تفاصيلها ونتائجها للنقاش العام، بحيث يستطيع المواطن والخبراء والباحثون الاطلاع على الأسس التي بني عليها القرار ومناقشة نتائجه وآثاره.

منذ 1974.. التوقيت بين الاستفادة من الشمس وتغيير نمط الحياة

وأشار الخزاعي إلى أن العمل بالتوقيت الصيفي في الأردن بدأ منذ عام 1974، وأن الهدف الأساسي منه كان الاستفادة من ساعات ضوء الشمس، معتبراً أن طبيعة ذلك الهدف تفرض، بحسب رأيه، إعادة النظر في كيفية تطبيق النظام خلال الشتاء.

ويرى أن التوقيت الصيفي والتوقيت الشتوي يجب أن يتمايزا بحسب طبيعة كل فصل، بحيث يجري تقديم الساعة في الصيف للاستفادة من طول النهار، ثم إعادة الساعة إلى وضعها الشتوي عند دخول فصل الشتاء.

وتتفق هذه الرؤية مع طبيعة النظام الذي كان معمولاً به في الأردن قبل قرار تثبيت التوقيت؛ إذ كان الأردن ينتقل بين التوقيتين، حيث كان يجري تأخير الساعة 60 دقيقة في نهاية تشرين الأول للعودة إلى التوقيت الشتوي، ثم تقديمها 60 دقيقة في نهاية شباط للانتقال إلى التوقيت الصيفي، وفق بلاغ رسمي صدر عام 2021.

الخزاعي يستذكر قضية نور العوضات.. ويضع السلامة الصباحية في صلب النقاش

واستذكر الخزاعي قضية الطالبة الجامعية نور العوضات، التي كانت طالبة في جامعة آل البيت، والتي قُتلت في كانون الأول 2013 أثناء توجهها إلى وسيلة النقل، في قضية هزت الرأي العام الأردني آنذاك.

وتظهر السجلات المنشورة لجامعة آل البيت أن نور العوضات كانت من طالبات كلية الشريعة، وأن الجامعة أقامت وقفة حداد على روحها عقب الجريمة، فيما أظهرت التقارير الصحفية اللاحقة أن القضية ارتبطت بنقاش مجتمعي واسع حول سلامة التنقل في ساعات الصباح الباكر.

ويؤكد الخزاعي أن استحضار هذه القضية في النقاش الحالي لا يعني، من الناحية الموضوعية، إثبات علاقة سببية بين التوقيت والجريمة؛ وإنما يأتي، بحسب طرحه، في سياق الحديث عن المخاطر التي قد تواجه بعض المواطنين أثناء تنقلهم في ساعات الصباح الباكر، خصوصاً عندما تكون الإضاءة الطبيعية محدودة.

وكانت تصريحات حكومية صدرت في حينه قد نفت وجود علاقة بين جريمة قتل نور العوضات ونظام التوقيت، وأكدت أن الجريمة وقعت في مكان مضاء.

الظلام والبرد والانجماد.. أعباء إضافية يطرحها الخزاعي

وحذر الخزاعي من أن استمرار العمل بالتوقيت الصيفي خلال فصل الشتاء قد يحمل المواطنين أعباء إضافية، خصوصاً في المناطق التي تشهد انخفاضاً كبيراً في درجات الحرارة أو تشكل الانجماد خلال ساعات الصباح.

وأشار إلى أن خروج الطلبة والموظفين والعاملين إلى المدارس والجامعات ومواقع العمل في الظلام قد يرفع من صعوبة التنقل، خصوصاً بالنسبة لمن يعتمدون على المشي أو وسائل النقل العام.

وأضاف أن بعض المناطق قد تواجه ظروفاً أكثر تعقيداً خلال الصباح الشتوي بسبب الانجماد وضعف الرؤية، إلى جانب وجود مخاوف اجتماعية وأمنية مرتبطة بالتنقل في ساعات مبكرة، مشيراً إلى المناطق التي تنتشر فيها الكلاب الضالة باعتبارها أحد الهواجس التي يطرحها المواطنون عند الخروج في الظلام.

ويؤكد الخزاعي أن القضية، من وجهة نظره، ليست اقتصادية أو متعلقة بالطاقة فقط، وإنما لها أبعاد اجتماعية وصحية وسلوكية، داعياً إلى وضع هذه الجوانب جميعها على طاولة النقاش قبل اتخاذ أي قرار.

بين توفير الطاقة واستثمار ساعات النهار.. أين تقف الحكومة؟

في المقابل، كانت الحكومة عند تثبيت التوقيت الصيفي قد طرحت جملة من المبررات، أبرزها الاستفادة من ساعات النهار، وتقليل الدوام في ساعات المساء والليل، وتحقيق الاستقرار في توقيت الدولة، إلى جانب اعتبار أن عدداً كبيراً من دول العالم يعتمد التوقيت الثابت ولا يغير الساعة بين الصيف والشتاء.

لكن استمرار وجود مطالبات نيابية وشعبية بالعودة إلى التوقيت الشتوي يعيد السؤال إلى الواجهة: هل تكفي الاعتبارات المتعلقة باستثمار ساعات النهار والطاقة وحدها للحفاظ على التوقيت الصيفي طوال العام، أم أن هناك حاجة إلى تقييم أشمل يأخذ في الاعتبار أيضاً ظروف الطلبة والموظفين والتنقل والسلامة والحياة الاجتماعية؟

مذكرة نيابية تضع الكرة في ملعب الحكومة

ومع توجه النائب معتز أبو رمان نحو إعداد مذكرة نيابية وحشد التأييد لها، يبدو أن ملف التوقيت الشتوي مرشح للعودة إلى طاولة النقاش الرسمي، ليس باعتباره مسألة مرتبطة بعقارب الساعة فقط، وإنما باعتباره قراراً يمس تفاصيل الحياة اليومية لملايين المواطنين.

فالعودة إلى التوقيت الشتوي، وفق المطالب المطروحة، تعني تأخير الساعة 60 دقيقة خلال فصل الشتاء، بحيث تتلاءم ساعات الصباح بصورة أكبر مع شروق الشمس، بينما يرى مؤيدو استمرار التوقيت الصيفي أن النظام الثابت يوفر استقراراً في المواعيد ويزيد الاستفادة من ساعات النهار.

وبين الرؤيتين، يطالب الخزاعي الحكومة بإظهار الدراسات التي بنت عليها قرارها، فيما يعتزم أبو رمان التحرك نيابياً باتجاه مناقشة القضية مع الحكومة.

وتستند الاعتراضات الشعبية إلى مخاطر أمنية وميدانية، أبرزها تدني مستويات الرؤية وارتفاع احتمالات الحوادث المرورية في الصباح الباكر، إضافة إلى الأعباء النفسية والجسدية الناجمة عن استيقاظ الأطفال في ظروف جوية باردة ومظلمة.

وفي المقابل، تدافع الحكومة عن قرار التثبيت الصيفي بداعي أن الامتداد الزمني للضوء في فترة بعد الظهيرة والمساء يحرك العجلة الاقتصادية، وينعش قطاعات التجزئة والسياحة، ويقلل الاستهلاك المنزلي للطاقة في ساعات المساء الأولى.

وعلى صعيد الأبحاث العلمية الدولية، تشير دراسات علم الأحياء الزمني (Chronobiology) إلى أن التوقيت الشتوي الدائم هو الأصح فسيولوجيا لجسم الإنسان.

وتؤكد الجمعية الأمريكية لطب النوم (AASM) والجمعية الأوروبية لأبحاث النوم أن التعرض لضوء الشمس الصباحي يمثل الركيزة الأساسية لضبط الساعة البيولوجية وإفراز هرمون الكورتيزول المسؤول عن اليقظة والتركيز، بينما يؤدي تأخير الشروق قسرا إلى ما يعرف بـ "الاضطراب الزمني الاجتماعي" (Social Jetlag)، وهو ما يرفع مخاطر الإجهاد النفسي، واضطرابات النوم المزمنة، وتراجع التحصيل العلمي لدى الطلبة.

ومن الناحية الجغرافية والفلكية، يقع الأردن على خط طول يبلغ نحو 35.9 درجة شرقا، مما يجعل النطاق الزمني الطبيعي والأقرب للتوقيت الشمسي الحقيقي هو (غرينتش +2).

ويعني تثبيت التوقيت الصيفي (غرينتش +3) إزاحة الظهر الشرعي والشمسي إلى الساعة الواحدة بعد الظهيرة، مما يخلق فجوة مقدارها ساعة كاملة بين الساعة البيولوجية الطبيعية والساعة الإدارية للدولة طوال أشهر الشتاء.

وبتقييم الخيارات المطروحة عبر نماذج تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي التي تمزج بين المؤشرات الصحية، والسلامة المرورية، والإنتاجية التعليمية، والنشاط الاقتصادي، يتبين أن تثبيت التوقيت الشتوي (غرينتش +2) يمثل الخيار الأفضل والأكثر استدامة للأردن.

حيث يسجل التثبيت الشتوي أعلى الدرجات في المعايير الصحية والتعليمية والأمن المروري الصباحي، في حين ينطوي التثبيت الصيفي على تكاليف صحية ونفسية مرتفعة شتاء، بينما يتسبب التحويل الموسمي المزدوج في صدمة حيوية مرتين سنويا ترفع من نسب الحوادث وتراجع الإنتاجية فور كل تحويل.

 

ويبقى المواطن في قلب هذا الجدل، بعدما تحولت الساعة من مجرد أداة لتنظيم الوقت إلى قضية ترتبط بالمدرسة والجامعة والعمل والمواصلات والطاقة والسلامة ونمط الحياة اليومي.

 وفي انتظار ما ستسفر عنه المذكرة النيابية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تعيد الحكومة عقارب الساعة 60 دقيقة إلى الوراء في الشتاء، أم يستمر التوقيت الصيفي ثابتاً على مدار العام؟

 

 

مقالات ذات صلة