الرئيسية / مقالات
مقالات

الإعلام الرقمي في بيتنا.. من يحمي قيم الأبناء؟ رشا سفيان الأحمد

الإعلام الرقمي في بيتنا.. من يحمي قيم الأبناء؟     رشا سفيان الأحمد

لم تعد الأسرة المصدر الوحيد الذي تتشكل منه أفكار الأبناء وقيمهم. فقد فرض الإعلام الرقمي حضوره داخل كل بيت تقريبًا، وأصبح الطفل والمراهق يتلقى يوميًا كمًا هائلًا من الأخبار والصور والمقاطع والآراء، بعضها يصنع المعرفة والوعي، وبعضها يترك أثرًا مباشرًا في السلوك ونمط التفكير.

في الأردن، تكشف الأرقام حجم انتشار البيئة الرقمية؛ إذ تتوافر خدمة الإنترنت لدى 91.2% من الأسر، فيما تصل نسبة الأسر التي لديها هاتف خلوي إلى 99.2%، وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة.

 

وتشير دراسة لليونيسف حول الشباب في الأردن إلى أن 78% إلى 88% من الشباب يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع الأصدقاء والعائلة، بينما أفاد 16% من الشباب الذكور بأنهم يقضون ثماني ساعات أو أكثر يوميًا على وسائل التواصل.

 

هذه الأرقام تضع الأسرة أمام واقع جديد؛ فالأبناء لا يستقون معلوماتهم من المدرسة والبيت فقط، بل من مؤثرين ومنصات ومواقع إخبارية وحسابات شخصية، بعضها مجهول المصدر، وبعضها يعتمد على الإثارة لجذب المتابعين.

فالخوارزميات لا تختار المحتوى بناءً على قيم الأسرة، وإنما وفق أنماط التفاعل والمشاهدة. وقد يجد الطفل نفسه أمام سلسلة متتابعة من المحتوى المتشابه لمجرد أنه شاهد مقطعًا واحدًا، بينما لا تملك الأسرة بالضرورة المعرفة الكافية بكيفية عمل هذه المنصات أو آليات تأثيرها.

 

وتزداد المسؤولية مع انتشار الذكاء الاصطناعي، الذي جعل إنتاج المحتوى وتداول المعلومات أسرع وأسهل، ورفع في الوقت نفسه من أهمية التحقق من الأخبار والصور والمعلومات التي تصل إلى الأبناء.

المشكلة لا تعني أن الإعلام الرقمي سلبي. فهو وفر فرصًا كبيرة للتعلم والمعرفة والتواصل، لكن غياب التربية الإعلامية يجعل الطفل أكثر عرضة لتصديق الأخبار المضللة أو تقليد السلوكيات المنتشرة أو تبني أفكار لمجرد أنها تحظى بانتشار واسع.

وهنا لا تستطيع الأسرة وحدها مواجهة هذا التحدي. فالمدرسة مطالبة بإدخال التربية الإعلامية والرقمية بصورة أكثر فاعلية، وتعليم الطلبة التحقق من المصادر، وفهم الخوارزميات، والتمييز بين الخبر والرأي والإعلان والمحتوى المضلل.

 

أما الأسرة، فدورها لا ينبغي أن يقتصر على تحديد ساعات استخدام الهاتف، بل على معرفة العالم الذي يدخل إليه أبناؤها، وفتح مساحة للحوار حول ما يشاهدونه ويتابعونه، وتعزيز قدرتهم على السؤال والنقد وعدم الانسياق وراء كل ما يحظى بالمشاهدة والانتشار.

 

وفي النهاية، لم يعد السؤال إن كان الإعلام الرقمي يؤثر في الأبناء، فهذا التأثير أصبح جزءًا من واقعهم اليومي، وإنما كيف يمكن للأسرة والمدرسة أن تسبقا هذا التأثير بالوعي والتربية؟

 

ففي عالم يستطيع فيه محتوى واحد أن يصل إلى آلاف الأبناء خلال دقائق، لم تعد حماية القيم تعني إغلاق الأبواب، بل تعليم الأبناء كيف يميزون ما يدخل منها.

مقالات ذات صلة